“إنت دافع شي من جيبك؟” هذه هي العبارة التي صفعني بها صديقي والتي طالما أسمعها من العديد من الأصدقاء في كل مرة أناقش أحدهم فيها عن الخدمات الطبية في بعض العيادات والمستشفيات الخاصة.
ففي الأسبوع الماضي أصيب ابني الصغير بقطع في أصبع يده وتطلب الأمر أن أصطحبه مباشرة إلى قسم الطوارئ في إحدى المستشفيات الخاصة وذلك هربا من زحام المستفيات الحكومية، ليجري له الطبيب هناك عدة غرز لإيقاف النزيف، في عملية لم تستغرق أكثر من 15 دقيقة جاءت بعدها الفاتورة لتعلن عن مبلغ 1000 درهم بالإضافة إلى 60 درهم ثمن للأدوية التي وصفها الطبيب قبل أن أكتشف لاحقا أن هذه الـ 15 دقيقة اعتبرت جراحة!
بعدها بأيام قليلة زرت طبيب الأسنان شاكيا ألما في إحدى أسناني، شخصه الطبيب على أنه التهاب في اللثة وقام بعمليات تنظيف سريعة لإزالة بعض من بقايا الطعام العالقة بين الأسنان، نصف ساعة والموضوع انتهى وجاءت الفاتورة تعلن عن 600 درهم!
مجموع ما دفعته في كلا الحالتين لم يتجاوز الـ 350 درهم، مع العلم أن الخدمات الصحية كانت قبل فترة وجيزة مجانية 100% إلا أن هناك قررا صدر مؤخرا يلزم المواطن بدفع نصف تكاليف علاج الأسنان والأدوية بشكل عام، قرار تم تبريره بسوء استغلال بعض المواطنين لهذه الخدمات!
تمنيت في الحقيقة لو قام المسؤولون في هيئة الصحة وشركة ضمان بمراجعة تسعيرة المستشفيات والعيادات الخاصة قبل وبعد تعميم نظام التأمين الصحي، قبل اصدرار قرارهم الأخير لأنهم بذلك سيكتشفون مكمن سوء الاستغلال بالتحديد وذلك بدلا من إلقاء اللوم على المواطنين المساكين الواقعين بين مطرقة القطاع الحكومي وخدماته الضعيفة وسندان القطاع الخاص الجشع.
فمعروف أن لكل مستشفى عدة تسعيرات مختلفة ، فهناك تسعيرة مخصصة لحاملي بطاقات التأمين و أخرى لمن يدفع (كاش) ، فالكشف الطبي العادي على طبيب عام الذي لا يتجاوز في أرقى المستشفيات الطبية 200 درهم يتحول مع حامل بطاقة ثقة وضمان إلى 500 درهم و إنت طالع، وفاتورة حشو ضرس فاتورتها لا تتجاوز 200 درهم تتضاعف بقدرة قادر إلى إلى 700 و 800 درهم -و تصل إلى سقف الألف إذا ما تم استخدام البنج – لمريض آخر من حاملي بطاقة “ثقة” أو “ضمان”
هذا غير صور الأشعة السينية و الموجات الصوتية بمناسبة أو من دون، ووصفات الأدوية التي تكون إما محددة ومصوفة لأنواع معينة من الأدويةباهظة الثمن أو لأخرى غير ضرورية وزائدة عن الحاجة وذلك لمجرد التسريع من نقاذ (ستوكات) الأدوية في المخازن والصيدليات التابعة لنفس المستشفى وبالتالي زيادة ارباحها.
بل في أحيان كثيرة تصل تشخصيات بعض الأطباء إلى التوجيه بإجراء عمليات جراحية غير ضروية لا هدف من ورائها سوى توريد مزيد من الأموال ل إلى خزائن المستشفى، وهو ما كاد أن يحصل معي شخصيا قبل عدة سنوات إلا أن الله سلم و قمت بإلغاء العملية في آخر لحظة قبل أن أكتشف فيما بعد أن هذا الدكتور ليس سوى نصاب من النصابين الذي تزخر بهم عياداتنا ومستشفياتنا.
و المواطن في كل الحالات ما عليه إلا أن يمهر الفاتورة بتوقيعه الجميل وغالبا ما يكون “على بياض” دون أن يهتم بمعرفة الرقم المدون على الفاتورة، و لكي نكون صرحاء مع أنفسنا فلم عليه أن يهتم وهو غارق من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه في بحر (البلاش) الحكومي، فمادام يحصل على كل هذه الخدمات مجانا دون أن يدفع شيئا – أو بمقابل مبلغ بسيط في بعض الحالات- فالنظر في الفاتورة يعد معيبة في حقه أمام “السيستر” … “فمال عمك ما يهمك”..!!
الوضع الحالي وفواتير القطاع الخاص الفلكية مغرية جدا للاستثمار في القطاع الصحي الذي من الواضح جدا لم يتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية بل أعتقد أنه انتعش ربما بسبب زيادة عدد المرضى نتيجة إعلان الكثير منهم إفلاسه ولكن لحسن الحظ أن أغلبهم لديه تأمين صحي ساري المفعول!
لذلك افكر جديا في افتتاح عيادة خاصة… هنا أقصد بمصطلح عيادة غرفة صغيرة فيها سرير وممرض تفي بالغرض- فهل أجد منكم من يود مشاركتي و أنا أضمن له أن نحقق أرباحا فلكية في أقل من 3 اشهر ..خصوصا إذا ما كانت عيادة خاصة بالتجميل!
على الهامش:
نعم أنا في كثير من الأحيان “مب دافع شي من جيبي” لكن واجبي تجاه هذه الأرض الطيبة وحكومتها الرشيدة أن أسأل عن مصارف هذه الجيوب ولمن تذهب.


