دعانا ذات مرة صديق حجازي على مأدبة عشاء في داره، وكنا طوال الوقت تجاذب أطراف الحديث حول مواضيع مختلفة في السياسة وفي الرياضة في محاولة يائسة منا لتدفة الجو قارص البرودة في تلك الليلة، إلا أن أكثرنا كلاما واستئثارا (بالجو) كان أحد الأشخاص المحسوبين على صاحب الدعوة.
فكلما تطرق الحديث نحو موضوع ما إلا ونفاجأ بذلك الشخص (يدخل عرض)، مغيرا مسار النقاش عبر طرح معلومة تنسف جميع المعلومات والحقائق المعروفة والموثقة حول ذلك الموضوع.
بل من فرط ثقته بصحة ما يقوله وعلاوة على التأكيد كان يرمق الجميع بنظراته الحادة وهو يصيح بصوت جهوري: صح و للا لا؟
في بداية الأمر كنت أنا والموجودين نتقبل ما يقوله صاحبنا ونعتبر جزءا منه من باب المبالغة المعقولة ، ولكن مع مرور الوقت أحسسنا أن الأخ (يزودها حبتين) بعد أن لاحظنا في كلامه واستشهاداته القليل من الصح والكثير من اللامعقول، لذلك توقفت أنا و أغلب الموجودين عن هز رؤوسنا بالموافقة وبدانا ننشغل بأحديث جانبية، وذلك قبل أن يغمز صاحب الدعوة بعينيه في إشارة أن الرجل (مش صاحي)!
ولكن يبدو أن تلك الإشارة ضلت طريقها نحو قريب لي كان مستمتعا لأقصى درجة بسوالف صاحبنا، والتي وصلت مع نهاية الأمسبة إلى ربط الحرمين بواسطة مترو تحت الأرض، والموافقة على اقتراح بنقل مكان الكعبة إلى دولة أخرى لتخفيف من الازحام الحاصل موسم الحج
وهذا القريب يهز رأسه متحمسا بدوره: ” أيوه صح.. بارك الله فيك”!
وبعد أن انفض السامر وخرجنا جميعا متوجهين نحو سياراتنا، أخذنا جميعا نتندر بصاحبنا الذي برر موقفه بأنه لم يكن يريد أن (يكسر خاطر) ذلك الشخص حتى بعد علمه بأنه ليس في حالته الطبيعية.
وإلى يومنا هذا كلما اجتمعنا في حضور ذلك القريب أسأله مازحا: صح وللا لا؟
قبل أن يرمقني بنظرة مهددة ومتوعدة..وهو يشد على أسنانه: أيوة صح!









