صباح هذا اليوم عدت من مكان لم أذهب اليه من فترة طويلة، ذهبت في رحلة صيد بحرية تلبية لدعوة صديق لي كان يلح علي منذ مدة أن أرافقه هو و أصدقائه.
لا أذكر بالضبط متى كانت آخر مرة ذهبت فيها للصيد، ربما ١٠ سنوات أو أكثر، فمع انشغالي بالدراسة في الخارج ثم عملي على ظهر السفن اضطررت للتخلي عن كثير من الهوايات منها هواية الصيد
حرصت على أخذ قسط كافي من النوم خلال قيلولة الظهيرة كون الرحلة ليلية والسهر سيكون أمرا حتميا، قبل أن يمر علي صديقي بعد المغرب لنتوجه سوية إلى منطقة الميناء الحر في أبوظبي حيث يرسو القارب الذي يمتلكه أحد الأصدقاء
في الماضي كان الأمر بسيطاً، اشتري قارباً وضعه في أي مكان لا يضع فيه الآخرون قواربهم، اخرج متى ما شئت واصطد بأي وسيلة – مع وجود استثناءات لطرق ممنوعة بالقانون – وبع ما حصلت عليه في أي مكان أو حتى وزعه على الأصدقاء أو عد به إلى المنزل، لا توجد قوانين كثيرة.

الفقرة أعلاه هي اقتباس من مقالة لعبدالله نشرها قبل عدة أسابيع أوردتها بعد أن اكتشفت أن صاحب القارب يدفع مبلغ ٢٤ ألف درهم سنويا!!
تخيل أن تدفع كل هذا المال لكي توقف قاربا لا يزيد طوله عن ٦ أو ٧ أمتار علما بأن إدارة المارينا قامت هذا العام بمضاعفة القيمة لتصل إلى ٤٨ ألف درهم…عاجبك..أهلا وسهلا..مو عاجبك.. خذ قاربك وارحل من المكان!
تأكدنا من توفر جميع التجهيزات، خيوط الصيد مربوطة وجاهزة، توفر “النغر” وهو الاسم الذي نطلقه على الحبار الذي يستخدم كطعم للأسماك، وقمنا بالتزود بالوقود قبل أن نتوجه إلى منطقة الضبعية وهي جزيرة تبعد عن أبوظبي مسافة ٣٠ كيلو تقريبا، عادة ما تكون نقطة الانطلاق في سباق القوارب الشراعية التراثية التي تقام سنويا بتنظيم من نادي تراث الامارات.
كان الجو جميلا ونسبة الرطوبة منخفضة بالنظر إلى هذا التوقيت من العام، و كانت ليلة استدار فيها القمر ليشكل بدرا توسط السماء ليكون دليلنا وسط هذه الظلمة، منذ فترة طويلة لم أشاهد فيها البدر بهذا الجمال، ربما لأننا مرتبطون بشكل أكبر بالتقويم الميلادي مما أفقدنا متعة متابعة حالات القمر المختلفة.
جلست أتأمل أنوار المدينة وهي تختفي من بعيد قبل أن أغوص في بحر ذكريات الماضي، عندما كنت أشق على ظهر السفن غمار البحار والمحيطات..
تذكرت غرفتي على متن الناقلة، ذلك السرير الصغير الذي يحتل ركنا من الأركان، وتلك الطاولة الخشبية التي طالما جلست أمامها أكتب تدويناتي باستخدام جهاز اللاب توب..
تذكرت أيضا تلك الكوة الدائرية الصغيرة التي كنت أنظر من خلالها فلا أشاهد سوى زرقة على امتداد البصر.
على حواف تلك الكوة كنت أسند هواتفي المتحركة على أمل أن تلتقط إشارة إرسال هاتفي فأتمكن من الاتصال أو على الأقل إرسال مسج هاتفي قصير لحبيب أو قريب كلما مررنا بالقرب من ساحل أو اقتربنا من جزيرة..
أذكر أنني في رحلة من الرحلات لم يكن معي سوى هاتف واحد وحدث أن تعطل فانقطعت عن العالم طوال فترة الرحلة.. من بعدها صرت لا أركب على متن أي سفينة إلا ومعي هاتفين محمولين على الأقل تحسبا لأية مفاجئات محتملة.
كان يتوجب علي قبل البدء في أي رحلة التأكد من اصطحابي لما سوف أحتاجه، فأي غرض ناقص معناه الانتظار لأشهر قبل الحصول عليه
كنت أتسلى طوال الطريق بأكل حب دوار الشمس، ومع وصولنا الى المكان المحدد للصيد كنت قد أفرغت محتويات الكيس الأول..
هرعت من مكاني متحمسا لكي أجهز الخيوط للبدء في عملية الصيد و أنا أؤمل نفسي بغلة وفيرة من الأسماك توفر علي كلفة الذهاب إلى سوق السمك!
لكن كلها دقائق قليلة قبل أن يتلاشى ذلك الحماس وينتباني بدلا منه حالة غريبة لم أمر فيها منذ فترة طويلة جدا…وبالتحديد في تجربتي البحرية الأولى..
إنه دوار البحر…نعم تخيلوا أنني أصبت بدوار البحر ..و أنا البحار المتمرس الذي تنقلت على متن السفن بين الشرق والغرب!
واضح جدا أنني فقدت “لياقتي البحرية”….فمع توقف القارب الصغير نسبيا بات أشبه بلعبة صغيرة تتلاعب فيه الأمواج يمنة ويسرة وهو ما تسبب في حالة من انعدام التوازن بالنسبة لي
كنت على وشك أن أفرغ مافي بطني قبل أن يشير عليه أحدهم بالاستلقاء على الأريكة في مؤخرة القارب حتى أشعر بتحسن
دخلت في حالة برزخية كنت خلالها شبه مغيب عن ماحولي لا أسمع سوى هدير الأمواج وهي ترتطم بجسم القارب مختلطة مع صوت أحد الموجودين وهو يتغنى ببعض الأبيات الشعرية البحرية.
بقيت طوال الفترة المتبقية من الرحلة مستلقيا على الأريكة مستسلما لحالة الغثيان التي أنهكتني قبل أن يمر أمامي شريط جديد من الذكريات
هذه المرة تذكرت بحر العرب وأهواله خلال فترة العودة من اليابان في موسم المنسون البغيض
فبالرغم من كبر حجم السفينة الا أن تلك التيارات الموسمية كانت تتلاعب بالسفينة وكأنها علبة كبريت، تصبح معها الايام والليالي الخمسة التي تفصل ما بين سيرلانكا وخليج عمان ليالي سوداء نكون خلالها في حالة جفاء مع النوم..
لم تتحسن حالتي الا مع تحرك القارب من جديد في رحلة العودة الى الميناء
أوصلني صديقي إلى المنزل مع اقتراب موعد أذان الفجر ولم تكن حصيلتنا من السمك سوى ثلاث سمكات!
مازال هناك الكثير لنحكيه..فكما يقول عبدالله..”البحر قصة لا تنتهي”







