معاناة عبدالله الأخيرة ومغامراته المستمرة في المؤسسات الحكومية ذكرتني بموضوع طالما وددت الكتابة عنه كوني موظف في مجال البيئة في المقام الأول وكـ “بيزنس مان” بات مراجعا دائما للعديد من الدوائر والمؤسسات الحكومية
قبل أن أحكي لكم فصول معاناتي الفصلية مع عدد من تلك المؤسسات، دعوني أقص لكم خبرا صغيرا سيسهل علي التدرج في سرد هذا الموضوع.
فقبل عدة أشهر قامت هيئة البيئة-أبوظبي بإطلاق مبادرة بيئية هدفها التقليل من كمية الورق المستخدمة في المؤسسات الحكومية وذلك ضمن فعاليات يوم البيئة العالمي، وقد شارك في هذه المبادرة عدد من المؤسسات والدوائر الحكومية بالإضافة إلى عدد من شركات البترول الوطنية.
من أبرز أهداف تلك المبادرة هو التوقف عن استخدام الطابعات وأجهزة التصوير لفترات تتراوح ما بين ساعتين وعدة ساعات، و بالفعل نجحت هذه المبادرة ووصلت نسبة التقليل من استخدام الورق إلى 40% لدى بعض المؤسسات التي شاركت في فعاليات ذلك اليوم والتي تم تكريمها لاحقا.
بالرغم من جمال التجربة وإيجابيتها إلا أنني تمنيت في الحقيقة لو تم تعميمها لكي تكون على مدار العام بدلا من أن تقتصر على يوم واحد فقط، فلو حسبنا كم الأوراق يهدر بشكل يومي في عدد من مؤسساتنا ودوائرنا الحكومية لعرفنا السر في التغير المناخي الحاصل، والتي في أغلب الأحيان لا تخرج عن نطاق مستندات الاستغناء عنها أو تقديمها بطريقة أخرى
ولكي لا أكون متحيزا وسوداوي النظرة فالحق يقال أن كثير من المؤسسات الخدمية باتت أكثر منطقية في طلباتها الورقية، كما أنها صارت أكثر حرصا فيما يتعلق بمسألة النظام والحفاظ على وقت المراجعين، ولكن أظن المشوار مازال طويلا أمام عدد من المؤسسات الأخرى لكي تتخلى عن عاداتها السيئة فيما يتعلق بطلب غير الضروري من الأوراق والمستندات، وفي هذا السياق أذكر أنني حرصت ذات مرة على القدوم مبكرا إلى إحدى الدوائر لتجنب زحام المراجعين، وصلت مبكرا حتى قبل كثير من الموظفين،وقد تكرم أحدهم بتخليص معاملتي التي لم تستغرق أكثر من دقيقتين بالضبط إلا انه فاجأني لاحقا بطلب غريب وهو الذهاب إلى جهاز الأرقام للحصول على رقم وتسليمه له، بالرغم من عدم وجود طابور أصلا، وهو ما استغرق وقتا أطول من إنهاء المعاملة نفسها كون الجهاز مكانه عند المدخل!
وبالرغم من استغرابي من هذا الطلب إلا أنني في الحقيقة لا ألوم ذلك الموظف بقدر ما ألوم مسئوله الذي يحثه على إتباع مثل هذه الممارسات الخاطئة بحجة الالتزام بالنظام والقانون!
هذه هي الثقافة التي نحتاج إلى تغييرها.. ثقافة إهدار الورق!
أضرب لكم مثالا آخر مرتبط بنفس النقطة وهي الورق الزائد، إلا أنه في هذه الحالة أكثر دموية ومأساوية، فلكي تقدم على تأشيرة لاستقدام سائق خاص فأنت مطالب بإرفاق المستندات التالية:
شهادة ملكية أو عقد إيجار المنزل الذي تسكن فيه
شهادة راتب من مقر عملك
صورة من ملكية (استمارة) جميع السيارات التي المسجلة باسمك.
طبعا هذا بالإضافة إلى نسخة من الطلب نفسه والمستندات المطلوبة المعتادة وهي صورة الجواز وخلاصة القيد (دفتر العائلة) مع التأكد من إرفاق جميع صفحات الخلاصة التي توضح تفاصيل كل فرد من أفراد الأسرة!
تخيل…كل هذا الكم من الأوراق فقد للتأكد أنك بالفعل بحاجة إلى هذا السائق!
و أنا هنا لا أعترض على ذلك فمن حق الجهة المسئولة أن تتأكد من مصداقية طلبك خصوصا في ظل التركيبة السكانية (المخبوصة) في بلادنا منذ أمد بعيد، ولكن هل يعقل -ونحن في القرن الواحد والعشرين و ننافس على أن نكون ضمن أفضل 5 حكومات في العالم- أنه لا توجد طريقة أخرى لتأكد من ذلك بدون هذا الهدر الكبير من الأوراق؟
تتكرر نفس المأساة إذا ما تقدمت للحصول على تأشيرات استقدام مجموعة من العمال لمؤسسة تجارية، فأنت مطالب أن ترفق صورة من جواز الكفيل و الرخصة التجارية، وعقد الإيجار، وشهادة الغرفة التجارية، تخيل لو تقدمت للإستحصال على أذونات دخول لـ 10 عمال فأنت مطالب بإرفاق 10 نسخ من كل مستند!
ربما هذا هو السر خلف ارتفاع أرباح محلات الطباعة والتصوير!
صحيح أننا كأفراد قد لا نستطيع أن نغير نظام المؤسسات، وقد أضحكني عبد الله عندما ذكر في مقاله أنه تأكد من اصطحاب جميع الأوراق المطلوبة وغير المطلوبة وذلك لكي يتجنب أن يبدأ مشوار المعاناة من جديد بسبب ورقة سقطت سهوا، وأظنه هنا إذا اصطحب معه خزانة الوثائق بأكملها، و كذلك صرت أنا بدوري كي لا يضع مجهود يوم طويل من الانتظار بسبب ورقة عادة قد لا تقدم أو تأخر من سير المعاملة ولو شبرا!
الغريب أنه في كثير من الحالات بالإمكان استثناءك من عدد من تلك المستندات بتوقيع صغير من أحد المسئولين الأعلى رتبة ، إذا لم يتم طلبها من الأساس إذا كان غير ضرورية؟
للأسف لا أجيد الرسم و إلا لكنت رسمت لكم مشهدا كاركاتيريا لموظف يجلس خلف مكتبه و أمامه طابور طويل من المراجعين في يد كل واحد منهم شجرة عملاقة تمثل الأوراق المطلوبة لإنهاء كل معاملة!
خاطرة أخيرة:
البارحة مررت على أحد المخابز في طريقي إلى البيت ، وعند المحاسب لفت نظري مشهد امرأة أظنها أجنبية رفضت أن يضع العامل أغراضها في أكياس بلاستيكية و ولكن عوضا عن ذلك قامت بوضع جميع الأغراض التي اشترتها في كيس قماشي اصطحبته خصيصا لهذا الغرض، عندها تذكرت مبادرة بيئية قامت بها سلسلة متاجر كارفور عندما قامت قبل فترة بالإعلان عن عزمها التوقف عن تزويد المتسوقين بأكياس بلاستيكية وذلك تشجيعا لهم على اصطحاب أكياسهم الخاصة ، وبالفعل تم تطبيق القرار إلا أن الوضع لم يستمر سوى لأسابيع قليلة أو ربما أيام قبل أن تعود الأكياس البلاستيكية إلى مكانها عند كاورنترات الدفع!








