لدي صديق تجمعني به روابط وثيقة يعني مثل ما يقولون بيني وبينه “عيش وملح”، فكثيرا ما نخرج سوية للتجول وتبادل السواليف الشيقة ، بل حدث و أنا سافرنا سوية وكان بالفعل نعم الرفيق في السفر، لكن الغريب في هذا الصديق أن أسلوبه في التعامل ينقلب 180 درجة إذا ما كان عبر الانترنت ، فإيميلاته مقتضبة ورسمية ورسائله النصية عبر الهاتف الجوال جافة ومختصرة جدا و إذا ما حدث و أن دردشت معه في الماسنجر أو الجوجل شات فكأنني أحادث شخصا غريبا لأول مرة !
كنت أتضايق في بداية الأمر من أسلوبه “الانترنتي” الجاف و أعتبر ذلك نوعا من انفصام الشخصية، ولكن مع الأيام تعودت على أسلوبه في التواصل الافتراضي كون علاقتي معه مبنية على أساس تواصل إنساني لا تواصل عبر عالم افتراضي، كما أن مشاغل عمله تفرض عليه في كثير من الأحيان أن يكون إنسانا “عمليا” قد لايكون للثرثرة والمحادثات الطويلة مكانا مناسبا لها.
أسرد عليكم تلك القصة التي قد لا تثير اهتمامكم، وذلك بعد أن وصلتني “رسالة وداع” مؤثرة من أحد الأشخاص عبر الفيس بوك، هذا الشخص لا أعرف عنه سوى اسمه و لكن يبدو أنه من المتابعين القدامى للمدونة ومن القراء الصامتين، يقول في رسالته أنه اتخذ قرارا مصيريا بقطع جميع علاقاته معي ويتضمن ذلك حذف اسمي من لائحة أصدقاء الفيس بوك لديه، وبرر هذا القرار إلى اكتشافه لصفات سيئة في شخصيتي، وذلك بعد أن قام بإضافتي مؤخراعلى الفيس بوك والتي كشفت عن “شخصيتي الحقيقية” المغايرة لتلك الموجودة في المدونة، وهي تتمثل في أنني شخص مغرور جدا خصوصا بعد أن فازت المدونة بالمركز الأول ضمن مسابقة أرابيسك، كما أنني شخص عنصري وأنظر لباقي الجنسيات بنظرة دونية، ديكتاتوري أفرض رأيي على الآخرين ولاأتقبل الرأي الآخر، أنا أيضا “شكاي لغاي” دائم التذمر من كل شيء بالرغم من أن وضعي الاقتصادي والمعيشي ممتاز ومقيم في أفضل بلد عربي وصاحب وظيفة ممتازة ودائما أسافر و أغير جو وختم تلك الفقرة بعبارة “ياخي اقتنع”
وأظن أنني سأقوم بتغيير حساباتي البنكية فيبدو أن هناك من يمتلك “أكسيس” للاطلاع على الملايين الموجودة فيها
كادت الرسالة أن تمر مرور الكرام فلقد تعودت على استقبال مثل هذه النوعية من الانطباعات، لولا جملة أخيرة استوقفتني و أعترف أنها نجحت في استفزازي، وكانت السبب الرئيسي في انفتاح شهيتي للتدوين الشخصي مجددا وهي قوله : “بأنني أميل للعنصر للنسوي في التعامل” ،وهو ما احترت في البداية في تفسير معناه إلا أن ظاهر هذه العبارة فيه تدخل في الذمم والأعراض وهو ما لا أظن أن أيا منكم سيقبل ان يقال في حقه مثل هذا الكلام وبهذه الكيفية.. و أقصد في كلامي هنا معشر الذكور حتى و إن كان الميل للجنس الآخر يعد غريزة متأصلة عند الإنسان!
أما المضحك المبكي في الرسالة فتمثلت في الخاتمة التي يبدو أن صاحبنا أراد بها إصلاح جزء من خراب مالطة :” لا أقصد التجريح بشخصيتك….و الانسان ليس كاملا”!
تخيلوا كل هذا الكم من الاهانات والأحكام المسبقة و المبنية على خيط رفيع من التواصل ضمن عالم افتراضي لا تعتبر في نظر صاحبنا تجريحا و إنما من باب جبر النواقص!
حسنا..لم أنشر هذه التدوينة من طلبا للعطف والمساندة منكم أيها الأعزاء ولا انتقاما من صاحب الرسالة الذي لم أكشف عن هويته- كي لا يتهمني أحد بالتشهير- فمن يعرفني على الواقع وخالطني وخالطته يعرف تمام المعرفة من هو أسامة وخصاله و عيوبه، هذا بالرغم من أن شخصيتي ” الانترنتية” لا تختلف كثيرا عن وجهي الحقيقي أو هكذا أظن، ولكن يبدو أن صاحب الرسالة له رأي آخر لا أستطيع إجباره على تغييره و لاأظن أنني عندما أصرح بأنه ” لا يهمني” فيه نوع من الغرور والعنصرية على حد قوله، فهو من قرر بكل بساطة اقتحام عالمي الافتراضي عنوة ودون استئذان قبل أن ينخذ قرارا لاحقا بالانسحاب هكذا بدون أية مقدمات مبررا هذه الخطوة بلائحة من الاتهامات والإهانات.
و لكن أسطر لكم هذه السطور من باب اسداء النصيحة لهذا الشخص ولمن أراد الأخذ بها، و هي التي لخصتها لكم عبر حكايتي مع صديقي العزيز في مستهل هذه التدوينة والتي هي بالمناسبة تكاد تكون قصة متكررة مع العديد من الأصدقاء ممن لايظهرون بالضرورة معدنهم الأصيل في عالم الإنترنت الافتراضي إما بسبب قلة الخبرة في التعامل مع التكنولوجيا أو من باب الحذر أو لأنهم أرادوا فضل واقعهم عن عالمهم الافتراضي وهو في النهاية حرية شخصية لا أرى أي مستمسك عليها.
وقد سبق لي أن بينت وجهة نظري وقناعتي الشخصية حول الأحكام القطعية المبنية على التواصل خلف الشاشات في العوالم الافتراضية عبر تدوينة سابقة (الرابط) و إن كانت محددة تلك الفترة ضمن إطار التدوين والمدونات، لذلك أختم بهذا الأثر الوارد عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي بالامكان الاستشهاد به في الحكم السليم على الأشخاص:
قال رجل لعمر إن فلانا رجل صدق فقال له هل سافرت معه ؟ قال : لا . قال : فهل كانت بينك وبينه معاملة ؟ قال : لا ، قال فهل ائتمنتَه على شيء ؟
قال : لا ، قال : فأنت الذي لا علم لك به أُراك رأيتَه يرفع رأسه ويخفضه في المسجد.
فما بالكم إذا بمن يطلق الأحكام المسبقة على غيره من خلال تحديثات التويتر والفيس بوك؟







