عدت قبل يومين من المملكة السعودية بعد أن وفقني الله لأداء مناسك العمرة ، مع أني لا أحبذ السفر بالبر لما يصاحبها من تعب و إرهاق إلا أن الرحلة في مجملها كانت ممتعة و الدروب كانت جميعها ميسرة و لله الحمد، الازدحام الشديد في أيام هذا الشهر الكريم أمر اعتاد عليه أهل مكة و المرتادين على الحرم الشريف لاسيما في العشر الأواخر من هذا الشهر، و لابد هنا من الإشارة إلى الدور الكبير الذي تقوم به الحكومة السعودية في سبيل تهيئة جميع سبل الراحة و الأمان للمعتمرين الذي يفدون إليها من شتى بقاع الأرض، فبلا شك أن السيطرة على هذه الحشود الجرارة و تنظيم أمورها ليس بالأمر الهين فجزى الله خادم الحرمين الملك عبدالله كل الخير و جميع القائمين على شؤون الحرم و كل من وضع على عاتقه هم خدمة ضيوف الرحمن.
الأمر الوحيد الذي ضايقني خلال هذه الرحلة علاوة على الزحام هو كثرة أعداد المتسولين و الشحاذين الذين لا يخجلون من مد أيديهم للغادي و الرايح داخل مبنى الحرم و خارجه، مما يجعل أمر الاعتكاف أمرا صعبا لما يسببه هؤلاء المتسولين من إزعاج دائم للمعتكف طوال فترة جلوسه داخل الحرم لاسيما إذا ما لاحظوا عليك من لباسك و هندامك أنك من أهل الخليج، فكم من المرات يأتيني أحدهم ليقطع علي تلاوتي لكتاب الله مما جعلني في نهاية المطاف أرمي الغترة و العقال جانبا و أكتفي بتغطية رأسي (بالكوفية) كنوع من أنواع التنكر هربا من إلحاح هؤلاء المتسولين!
و هذا الأمر ينطبق أيضا على مدينة جدة التي أكن لها معزة خاصة و التي قضيت فيها عدة أيام لزيارة مجموعة من الأقارب و الأصحاب، فلا تمشي خطوة واحدة إلا و يستوقفك متسول ليحكي لك قصة طويلة عريضة الله وحده العالم صحتها من كذبها، لذلك أتمنى أن يتحرك المسؤولون سريعا لاحتواء هذه الظاهرة السلبية التي تساهم بشكل كبير في تشويه المعالم الجميلة للأراضي المقدسة و مدن المملكة الحبيبة.
أيضا في جدة أتيحت لي فرصة لقاء أخي العزيز “بو ثامر” رفيق دربي من منتدى سوالف الجميع و الذي دائما ما يستقبلني بحفاوته المعهودة في كل مرة أزوره فيها فله مني كل الشكر و التقدير، هذه المرة نجحت بأعجوبة في الإفلات من تناول مشروب (السوبيا) الشعبي الذي مازلت أجد في حلقي مرارة طعمه من المرة الأولى التي قابلته فيها!
عدم وجود مظاهر التبرج و العري بين النساء و قوانين الحشمة الإجبارية أمر يبعث بالتأكيد على الشعور بالفرح و البهجة و الراحة و السكينة في الوقت نفسه، فما أجمل أن يتجول المرء منا في مركز تجاري ضخم كمركز (الصيرفي ميغا مول) في جدة دون أن يخدش نظره برؤية و لو فتاة واحدة (تتلكع) في مشيتها و هي ترتدي بنطالا ضيقا مع قميص (أبوصرة) يكشف أجزاء واسعة من بطنها و جسمها أكثر من تلك المستورة، و غيرها من النماذج التي بتنا نشاهد أسوأ منها في شوارعنا و أسواقنا، و بالرغم من أنني لاحظت أنه في السنوات الأخيرة بدأت بعض مظاهر التبرج تغزو مدن المملكة شيئا فشيئا لكن أعتقد أن المشوار مازال طويلا للحاق بمستويات التبرج الإحترافية التي وصل إليها بعض النساء عندنا ..وبلا فخر!
عموما الحديث عن “عروس البحر الأحمر” و هو الإسم الذي اشتهرت به قد يحتاج إلى أن أفرد لها تدوين منفصل إلا أنها تستحق و بجدارة مسمى جديد و هو: (المدينة التي لاتنام)..!


