كنت بصدد نشر تدوينة عن تجربتي في النادي الرياضي لكنني آثرت تأجيلها إلى الغد
فالبارحة حصل وأن حضرت مبكرا بعض الشيء إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة مما مكنني من اللحاق بالخطبة الأولى غير الرسمية والتي عادة ما يلقيها الإمام باللغة الإنجليزية.
موضوع الخطبة كان عن الاستعداد لدخول شهر رمضان، وهو موضوع متكرر ومتوقع في مثل هذا التوقيت من السنة حيث لم يتبق على مقدم الشهر الكريم إلا بضعة أيام، ولكن الإمام أظنه نجح عبر أسلوبه الجميل في جعل الخطبة مشوقة وجذابة.
فبالإضافة إلى تذكير المصلين بفضائل الشهر الكريم وضرورة الاجتهاد في أداء الطاعات، بين لنا تجهيزات الجالية المسلمة هنا في الجولد كوست لاستقبال هذا الشهر الكريم، بما في ذلك استعدادات اللجنة التي تم تكوينها من أعضاء من مختلف الجاليات المسلمة في أنحاء أستراليا لتحري هلال رمضان وهي حسب ما فهمت يبدو انها مسألة خلافية متكررة كل عام بسبب اختلاف المذاهب.
كما ذكر الإمام ضمن سياق الخطبة قصة تلك الأخت الأسترالية المسلمة التي أسلمت قبل فترة بعد سماعها لتلاوة من سورة “يس” في إحدى محال الكوفي شوب، وبمساعدة من عامل ذلك المقهى المسلم الذي قام بواجبه في الدعوة إلى الإسلام، إلا أن اعتناقها للإسلام كلفها الافتراق عن زوجها الذي قاضاها فيما بعد طلبا لحضانة الأولاد، إلا أن المحكمة أنصفتها ومنحتها حق الحضانة.
وبعد أن سرد الإمام أحداث تلك القصة المؤثرة بشّر المصلين بأن أحد أبناء تلك الأخت الأسترالية قد نجح في حفظ القرآن الكريم كاملا، ودعا المصلين لحضور حفل بسيط بهذه المناسبة للاحتفاء بهذا الانجاز الذي سيقام في أحد مساجد مدينة بريسبن يوم الجمعة القادم.
الإمام أيضا ذكر نقطة مهمة جدا ومطب يقع فيه أغلب الناس ولا أستثني نفسي منهم وهي إساءة الظن وإصدار الأحكام القطعية في أولئك الذين لا يأتون إلى المساجد ولا يداومون على الصلاة بأنهم لا يعرفون الله إلا في رمضان، فما يدريني أو يدريك أن فلان لا يعبد الله إلا في رمضان؟ فلعله يمنع مانع أو يحجبه حاجب، ومالذي يضمن لك أن أعمالك أنت هي التي سوف تقبل عند الله وأعمال هذا الشخص لن يقبل؟
شخصيا استمتعت كثيرا بالاستماع لأحداث هذه الخطبة الشيقة والتي امتدت نحو ثلاثة أرباع الساعة وددت لو أنها طالت أكثر، فلا أذكر المرة الأخيرة التي سمعت فيها خطبة مشوقة نجحت في شد انتباهي.
أذكر قبل فترة دخلت إلى إحدى المنتديات الإماراتية، وهناك قرأت موضوعا لأحد الأخوة انتقد بشكل موضوعي توحيد الخطب في المساجد والزام الأئمة بقراءة الخطبة المحضرة من قبل الهيئة، والتي كانت في تلك الجمعة عن (المحافظة على البيئة) وكيف باتت خطب هذه الأيام جامدة وومملة بلا طعم ولا روح، ويزداد الأمر سوءا إذا ما وقعت الخطبة في يد خطيب غير مفوه ليسردها كما يسرد المذيع نشرة الأخبار.
تابعت الردود في ذلك الموضوع ما بين مؤيد ومعارض، فالمؤيدون هم مثلي تماما متعطشون لسماع خطب مشوقة تلامس واقعنا، ووتتفاعل مع هموم مجتمعنا، وهذا لا يعني بالضرورة أن تكون خطب جهادية ولا تكفيرية تتضمن دعوات على الكفار بالويل والثبور!
أما حجة المعارضين التقليدية هي أن ترك الحبل على الغارب سيفتح الباب أمام بعض الخطباء أمام إطالة الخطبة وتهييج مشاعر المصلين، كما أن مناقشة مثل هذه المواضيع فيه انتقاد لسياسات الحكومة التي هي أدرى بمصلحة مواطنيها، وأن لموضوع هذه الخطبة حكمة يجهلها المواطنون، بل إن إحدى الأخوات أخذت تحلل موضوع الخطبة جملة جملة وكيف أن تناول موضوع المحافظة على البيئة يعتبر نقلة نوعية في مواضيع الخطب التي تقوم الهيئة بإعدادها!
وطبعا مصير مثل هذه المواضيع النقاشية عادة ما ينتهي بالإغلاق من قبل مشرفي المنتدى عملا بالمثل القائل (الباب الي يجيك منه الريح سده واستريح)
أنا هنا لست لأنتقد لأنني أعرف أن كلامي لن يغير من الواقع شيئا، ولكن احببت أن أبين كيف أن موضوعا تقليديا كالاستعداد لشهر رمضان قد ينجح في شد انتباه المصلين لو أتيحت للخطيب مساحة من الحرية ليسرد الخطبة بأسلوبه وعباراته ، فلربما أضاف للموضوع موقفا حصل تجربته أو قصة معبرة قد تعلي الهمم وتحرك عواطف المصلين، وذلك بدلا من السرد المممل من ورقة صماء لا يستغرق الانتهاء منها أكثر من 10 دقائق. وهو ماذكرني باقتباسة للصديق عبدالله المهيري حول نفس الموضوع:
أصبحت خطبة الجمعة حصة تعذيب أسبوعي
ومن المفارقات الطريفة أنه بات الآن بالامكان الاطلاع على موضوع خطبة الجمعة بل وقراءتها كاملة عبر موقع الهيئة وذلك قبل أيام من موعد إلقائها، وهو مايذكرني بالبيانات الختامية لاجتماعات الزعماء العرب والتي عادة ما تعد وتعتمد قبل بدء فعاليات الاجتماع بفترة طويلة!


