هل فقد الناس الحياء أم أن الحياء قد تخلى عنهم؟
هل تعودنا على رؤية المنكر أم أن المنكر صار قاعدة في حياتنا؟
قبل أيام عدت مرة أخرى إلى مطعمي المفضل والذي كانت لي فيه صولات جولات مثيرة وثقتها في دردشات سابقة كانت بعنوان “حكاية مطعم 1 و 2 “، ممنيا نفسي هذه المرة بأمسية هادئة مع أم العيال (وبدون عيال) ومدعومة بوجبة شهية تكون مسك الختام لـعشرة كيلوغرامات زائدة وخير انطلاقة لحمية غذائية صارمة أجلت البدء فيها أياما وأسابيع ولم أبدأ فيها حتى لحظة كتابة هذه السطور..!!
حرصت هذه المرة على القدوم مبكرا لحجز مكان مناسب، ففي عطلة نهاية الأسبوع يكون الحصول على كابينة خاصة أمرا صعبا لا يقل صعوبة عن البحث عن شقة للإيجار في العاصمة أبوظبي! كنت قد أخذت عهدا على نفسي وعلى زوجتي أن لا نشغل أنفسنا بمن حولنا وذلك لكي نستمتع بوجبتنا الأخيرة من دون أية منغصات لذلك قررت الالتزام بالمثل الهندي الشهير “أنا لا أرى.. أنا لا أسمع.. أن لا أتكلم” فأما الرؤية فهي شبه معدومة إلا من خلال الثقوب الضيقة للحواجز المحيطة بالمكان و أما الكلام فهو مقصور –بناء على أوامر عليا!- مع زوجتي و نادل المطعم، و لكن مسألة السماع..أعتقد أنها تحتاج إلى إعادة نظر!
تنازلت هذه المرة عن طلب طبق الروبيان المشوي المفضل لدي وذلك بعد حسبة عقلية سريعة للفاتورة النهائية، وقررت استبداله بطبق شرقي مكون من الدجاج احتجت إلى مساعدة النادل لكي أنطق اسمه، فنظرات زوجتي كانت تشير إلى أنها عاقدة العزم على استنزاف آخر ورقة نقدية في محفظتي المسكينة وذلك عقابا على الانقطاع الطويل عن ارتياد المطاعم الخارجية، فبلعت ريقي على مضض و أنا أبتهل إلى الله أن لا أضطر إلى استخدام بطاقة الائتمان التي أدخلتني في دوامة من الأحزان!
غالبا ما أحرص على الحصول على مقصورة خاصة تقع في ركن هادئ من الأركان وذلك لأكون بمنئ عن نظرات الفضوليين من العشاق و أبتعد قدر الإمكان عن إزعاج المجترين من حولي لكن هذه المرة كان الخيار مقصورا على مقصورة في المنتصف تقريبا وسط المعمعة أي أنه يتوجب علي الاستماع إلى أصوات الملاعق والسكاكين وهي تطاحن الصحون الحافلة بكل مالذ وطاب!!
في الحقيقة لم أكن أشعر بجوع شديد لأنها كانت رحلة غير مسبقة الترتيب، فعادة ما يسبق التخطيط لتناول وجبة العشاء في الخارج نظام عسكري صارم أمتنع فيه عن الأكل مدة يومين أكتفي خلاله بشرب السوائل فقط وذلك لكي أضمن خروجي مع معركة (ذات الملاعق والسكاكين) بانتصار مدوي، فكم أكره السياسة الخبيثة التي يتبعها هذا المطعم، فحالما تجلس وتأخذ مكانك خلف الطاولة يتم جلب صحن صغير يحوي مجموعة من الرقائق التي تشبه رقائق البسكويت مع قنينة مياه معدنية باردة، هذه الرقائق لها نكهة عجيبة فما أن تتناول قطعة منها حتى تجد نفسك تتناول قطعة ثانية ثم ثالثة وهكذا قبل أن تشعر بلسعة وحرقان في لسانك فتضطر إلى شرب الماء لإطفاء لهيب هذا الحرقان، ثم تعود إلى أكل هذه الرقائق من جديد بعد أن تمل من طول الانتظار لتشعر باللسعة والحرقان مجددا فتشرب كمية أخرى من الماء وهكذا دواليك حتى تفاجأ بحقيقة أنك قد مسحت جميع محتويات ذلك الصحن و أن نصف ما في قنينة الماء صار في بطنك لتكتفي بدور المتفرج على صحون المقبلات والأطباق الرئيسية وهي جامدة على الطاولة!
الوعود دائما ما تكون سهلة لأنها لا تتطلب سوى الكلام، إلا أن تطبيقها يحتاج إلى إرادة وحزم، وأحيانا تتدخل بعض الظروف والعوامل الخارجية فتجبرك على نسف جميع هذه الوعود والالتزامات! يبدو أنني بدأت أتعمق قي المنطق و الفلسفة التي لا أفقه فيهما شيئا!
فمع أول رشفة من صحن الشوربة سمعت صوتا غريبا يصدر من الكابينة الملاصقة تماما، لم أكترث في البداية لأن جل تركيزي كان منصبا في كيفية القضاء على مافي الصحون وذلك بعد أن وقعت مجددا في الفخ الذي نصبه لي المطعم بالتفصيل الذي دونته أعلاه!
نظرت إلى زوجتي التي قالت بسرعة وبصوت هامس: هناك رجل وامرأة في الكابنية المجاورة يجلسان بشكل مريب.
أكملت شرب باقي شوربة الدجاج بالذرة متجاهلا كلامها و أنا أردد المثل الهندي : “أنا لا أسمع”!
همست زوجتي مجددا: معهما رضيعة صغيرة…
قلت لها: آآآها…. أسٍرة صغيرة جاءت لتناول وجبة العشاء!
لحسن الحظ وصل الطبق الرئيسي أخيرا ، لتنشغل زوجتي بأكل قطع الروبيان الستة المشوية وأنا أنظر إليها متحسرا و أمامي يقبع طبق الدجاج المجهول الاسم والهوية، قبل أن يتكرر نفس الصوت المريب لألتفت إلى زوجتي مجددا كونها تحتل موقعا استراتيجيا مهما على الأريكة الوثيرة الملاصقة لجدار الفصل العنصري!،
فصرخت بصوت مكتوم: إنهما (……..)
قلت لها باستغراب: لابد انك تمزحين؟!
لم أنتظر جوابا بعد أن سمعت نفس الأصوات المريبة المفعمة بالعاطفة والإحساس مصحوبة بضحكة مائعة مكتومة..
ولكنها أجابتني زيادة للتأكيد: نعم.. رأيتهما بعيني!
عندها توصلت أخيرا إلى إجابة للسؤالين اللذان طرحتهما في بداية المقال وهو أن الناس فقدت الحياء وتخلت عنه، و أن المنكر صار قاعدة ثابتة في حياتنا وواقع مرير لابد أن نتعايش معه، كل ذلك يرتكب باسم الانفتاح والحرية الشخصية!
علامة استفهام؟:
العجيب والغريب أن مثل هذه التصرفات المشبوهة باتت حكرا على هذا المطعم و في هذا الفرع بالتحديد بشهادة عدد من الأصدقاء الذين اطلعوا على الحكايات السابقة، بالرغم من وجود العديد من المطاعم الراقية التي توفر خدمة الكبائن الخاصة !








