سنتان يتيمتان هنأت فيهما بالسكن في فيلا مستقلة قبل أن يطالبنا صاحبها بالإخلاء طمعا في زيادة الإيجار، أما باقي الـ 24 سنة من عمري فقد عشتها حبيسا بين أروقة الممرات و الغرف الضيقة في الشقق السكنية المختلفة، أملا أن يأتي الفرج و نبني منزل الأحلام، و لكن يبدو أن الفرج سوف يطول و أنه علي الانتظار 26 سنة أخرى!
فقبل أيام تم فتح مظاريف المناقصة الخاصة ببناء منزل الوالد الكائن في إحدى المناطق السكنية الجديدة خارج العاصمة، و بلغ أفضل عرض أسعار تم تقديمه ما يزيد عن المليونين درهم بقليل، و هذا يعني أنه يتطلب علينا توفير مبلغ غير بسيط ليضاف على القرض الحكومي الذي يبلغ مليون و مائتين ألف كما هو معلوم، صحيح أنني كنت أتوقع منذ البداية بأن مبلغ القرض لن يكفي لوحده وأنه لا بد من إضافة مبلغ من المال لكن الذي لم أتوقعه هو أن تصل التكلفة إلى هذا الرقم الفلكي ذو الستة أصفار!!
البيت ليس بذلك الضخامة كما قد يتبادر إلى الأذهان و لكنه منزل متواضع قمنا بتصميمه بما يتناسب مع عدد أفراد العائلة و احتياجاتها، و صدقوني لو تم تنفيذ نفس التصميم في أية إمارة أخرى لما تكلف أكثر من ثلثي المبلغ، و لكن الاحتكار المفروض من قبل المقاولين و هوامير مواد البناء تتيح الفرصة لهم في إحكام السيطرة على أركان هذا السوق الحيوي الذي يلعب دورا أساسيا في اقتصادات الدول.
هناك أطراف عديدة تتحمل هذا الغلاء الحاصل، أول تلك الأطراف شركات المقاولات التي تتحجج دائما بارتفاع أسعار مواد البناء، و شركات مواد البناء بدورها تلقي باللائمة على ارتفاع أسعار الحديد و المواد الخام المستوردة من الخارج، ومصانع الإسمنت في الدولة أبت إلا أن يكون لها نصيب من كعكة الاستنزاف فقامت قبل فترة برفع سعر كيس الإسمنت الواحد إلى أكثر من 30 درهم بعد أن كان يباع بأقل من 9 دراهم، ولولا فتح الباب أما استيراد الإسمنت من الدول المجاورة لتجاوز السعر سقف الخمسين، و علاوة على ذلك كله جاء انخفاض سعر الدولار أمام اليورو ليزيد الوضوع سوءا، و يعطي المقاولين و شركات مواد البناء مبررات إضافية لزيادة جديدة في تكاليف البناء، كل ذلك يتم تحت سمع و بصر غرف التجارة و البلديات في الدولة دون أن تتحرك ساكنا، و ما يثير الحنق أكثر أسطوانة الخسائر المزعومة التي يرددها أصحاب مصانع الإسمنت في الدولة مع أنني قرأت البارحة أن الأرباح الصافية وصلت مع نهاية هذا العام إلى 500% !!
أكثر المتضررين من الانفلات الكبير في سوق البناء، هو المواطن المسكين صاحب الدخل المحدود الذي يعتمد اعتمادا كليا على راتبه من الوظيفة الحكومية، و كل ما يريده من هذه الدنيا بيت يستره هو وعياله، خصوصا و أنه مطالب بإنجاب مزيد من الأبناء لتعديل الخلل في التركيبة السكانية، براتب لم يتزحزح منذ سنين طويلة، و عدم استقرار متمثل في سلسلة من التنقلات بين العمارات و البنايات المختلفة.
أعتبر نفسي محظوظا في حصولي على أرض سكنية بعد مضي عامين من زواجي مقارنة مع والدي الذي انتظر أكثر من 20 سنة تلتها 7 سنوات أخرى قبل أن يصله الدور و يحصل على قرض البناء، لكن الله وحده هو العالم كم سنة أحتاجها لكي أتمكن من بناء منزل مستقل خاص بي، و حينها لا أعتقد أن القرض سيكفي لبناء (كوخ) أرضي مكون من 3 غرف على أكثر تقدير، أما الشغالة فسوف أنصب لها خيمة في الحوش!!


