حلم أي رجل في هذه الدنيا أن يكون من المريخ وأن تتاح له فرصة زيارة كوكب الزهرة المخصص للنساء فقط كما جاء في مقدمة الكتاب الرائع” الرجال من المريخ والنساء من الزهرة” الذي أنصح الجميع بقراءته خصوصا المقبلين على الزواج ”
قبل أيام أتيحت لي هذه الفرصة النادرة لأكون (المريخي) الوحيد الذي يزور معقل (الزهريات)، حيث لم أتردد في قبول الدعوة الكريمة من حرمنا المصون لمرافقتها إلى كلية التقنية للفتيات لمقابلة أحد المسؤولين هناك، فمن المجنون الذي يفوت مثل هذه الفرصة الذهبية التي قد لا تتكر إلا في العمر مرة واحدة…ومن يدري فقد لا تتكرر أبدا!
طبعا كان علي أن أؤدي تمثيلية صغيرة أبدي خلالها بعض الرفض والمقاومة كي لا تظن بأنني (ملقوف) ومش شايف خير.!
دخول الكلية بطبيعة الحال ممنوع على الرجال إلا (بضوابط) لذلك كان علي أن أبرز بطاقة الهوية لمكتب الأمن عند الباب الرئيسي كإثبات بأنني (حرم) حرمنا المصون، قبل أن يرافقني أحدهم إلى داخل المبنى فلم تشفع لي مرافقة زوجتي (الزهرية) بالرغم من أن رقابتها أشد و أعتى من رقابة ألفي رجل أمن!
المهم أني مشيت وسط الجموع الزهرية بعد أن تأكدت أنني مرتدي لنظارتي الشمسية الجديدة التي لمعتها خصيصا لهذه المناسبة متحججا لحرمنا المصون بأنها ستساعدني على غض البصر.. يرافقني السيد (سكيرورتي) مثل ظلي عندها تذكرت مشهدا من إحدى الأفلام يقود فيه (شاويش السجن) المجرم إلى قاعة المحكمة، فلم يكن حالي يختلف كثيرا عن هذا المشهد باستثناء أنني لم أكن مقيدا بالأصفاد.
حاولت أن ألطف الجو قليلا و أفتح حوارا مع السيد (سيكيرويتي) أكسر به حاجز الجمود ولكن بلافائدة فلم أكن أجيد (المالبارية) اللغة التي يتحدث بها ذلك السيكيرويتي..
لذلك اكتفيت بمشاهدة الزهريات المتوزعات على شكل كتل وجماعات في فناء المكان، منهن من لم يكترث بوجودي فمررن بجانبي (خبر خير) وكانني غير موجود … والبعض الآخر ما أن يهوّبنَ صوبي حتى يعشن حالة من الاستنفار وكأنهن رأين شيطانا يمشي أمامهن، فتسارع الواحدة منهن إلى تغطية (ربع) وجهها بطرف الشيلة أو الطرحة أو الحجاب –سموها ما شئتم!- وهي ترمقني بنظرات حادة فحواها الترقب والفضول عن هوية هذا المريخي الجديد، ولكن سرعان ما تعود الأمور إلى نصابها الصحيح وتعود تلك الزهرية الخجولة إلى الكشف عن هذا (الربع) الصغير بعد مرروري بسلام، حتى لو كان هناك مريخي آخر يمشي خلفي لكن كونه مريخي أشقر وصاحب عيون زرق يعطيه الحق في الحصول على استثناء من هذه (الحركات)!
لسوء الحظ لم يكن الطريق طويلا إلى مكتب ذلك المسؤول، لكنني وجدته مشغولا بالحديث مع فتاة أخرى، فجلست أنتظره خارج مكتبه مستمتعا بمشاهدة الجموع الزهرية الغادية والرايحة والمواكبة لآخر خطوط الموضة والأزياء حيث أثبتت لي بما لايدع مجالا لللشك بأن هناك فجوة (حضارية) واسعة بين المريخيين والزهريات خصوصا مع سماعي لعبارات المجاملة الترحيب بين الطالبات والمدرسين والضحكات المتبادلة فيما بينهم..
تخيلت نفسي لبرهة ضمن الهيئة التدريسية في الكلية، والطالبات ينادونني بلقب (Sir) و(مستر) أسامة…..حتى لونادوني باسمي (حاف) من دون أي ألقاب .. ليس عندي أي مشكلة…يااااه.. لاشك بأنها ستكون تجربة مثيرة جدا!
أفقت من هذه التخيلات الجميلة على وكزة من حرمنا المصون مصحوبة بنظرة صارمة كانت كافية لكي تتبخر معها جميع الأحلام (الزهرية)، فحاولت اللجوء إلى دورة المياه ولكنني تذكرت عمود الإنارة الواقف بجانبي أقصد السكيروتي الذي خشيت أن يصر على مرافقتي إلى هناك، فقررت أن (أمسكها) إلى أن أعود إلى قواعدي سالما!
تمنيت لو استمرت الزيارة وقتا أطول، وسألت حرمنا المصون إذا كانت ترغب بمقابلة مسؤول آخر (أنا حاضر) إلا أن نفس النظرات الصارمة التي رمقتني بها في السابق جعلتني أهرول بسرعة إلى بوابة الخروج.
طبعا لم أنس أن أستعيد بطاقة هويتي المحجوزة و أن أودع صديقي (السيكيرويتي) الذي كان لي خير رفيق لأكثر من ثلاثة أرباع الساعة على أمل أن ألتقي به مجددا في رحلتي القادمة..
وفي البيت بدأ الحساب.. الذي كان عسيرا جدا!








