عندما أستيقظ صباح كل يوم و قبل أن أتوجه إلى العمل، أحاول أن لا أنسى تقبيل ظاهر كف يدي وباطنها حمدا لله وشكرا على النعم التي أتمتع بها، فالاستقرار الذي أعيشه وعودتي ظهر كل يوم إلى بيتي و أهلي نعمتان لا تقدران بثمن، خصوصا لمن ذاق مرارة الغربة لسنوات طويلة مثلي.

قبل أيام كنت أقلب أرشيفي البحري القديم وأسترجع ذكريات رحلاتي البحرية بحلوها ومرها قبل أن يمر علي اسم صديقي عبدلله بين ثنايا حدى تلك المواضيع، عندها تذكرت أنني لم أتواصل معه منذ فترة طويلة حيث كان آخر اتصال به قبل أشهر عندما كان يستعد للسفر إلى هولندا، ففورا تناولت هاتفي النقال واتصلت عليه قبل أن أسمع صوته على الطرف الآخر، وبعد دردشة سريعة علمت منه أنه مازال في هولندا إلا أنه بشرني بقرب عودته وهو يحمل شهادة الماجستير في القوانين البحرية وهي التي غاب بسببها سنة كاملة عن البلاد.
وبالمناسبة صديقي عبدالله هو أول مواطن إماراتي ينجح في الحصول على شهادة القبطان من المملكة المتحدة كذلك هو أول إماراتي يتبوأ منصب كبير الملاحين على سفينة غاز إماراتية وهوعلى بعد خطوات قصيرة من أن يكون أول "قبطان" إماراتي، كما يعتبر من الصامدين القلة الموجودين حاليا في شركة الناقلات التي كنت أعمل بها سابقا مع أنه من أوائل الطلبة المبتعثين على حساب الشركة وبالتحديد كان عضوا في أول دفعة سافرت إلى بريطانيا سنة 1994، حيث استقال أغلب الشباب المواطنين وانتقلوا إلى العمل في أماكن أخرى بعد أن نفذ صبرهم من الإدارة العقيمة و سياستها الغريبة في التعامل معهم.
توقعت في الحقيقة أن تقوم إدارة الشركة بنتظيم احتفال بسيط لتكريم عبدالله تقديرا لمسيرته المشرفة والمليئة بالصبر والكفاح، إلا أنه أخبرني بصوت يعتصره الألم والحزن بأن الإدارة قررت أن تكافئه على هذه الإنجازات بتعينه كمسؤول أمن وسلامة (Safety Officer)على ظهر إحدى السفن التي سوف تدخل إلى الحوض الجاف قريبا، وهي وظيفة بسيطة جدا لا تليق أبدا بشخص مثل عبدالله يحمل كل هذه المؤهلات بل هي وظيفة لمن لا يحمل شهادة من الأساس!حسب علمي عدد المستقيلين إلى الآن من تلك الشركة ما يقارب الـ 28 موظف مواطن أنفقت الشركة على تدريبهم و تعليمهم الملايين من الدراهم ، ولكنها نجحت بتصرفاتها الغبية و بالأحرى بتكتيك و دهاء كبير من المدير العربي الهوية والأجنبي الجنسية في تطفيش هؤلاء المجموعة الذين يعتبرون من خيرة شباب الوطن والذي كان بالإمكان إبقاءهم بقليل من الرعاية والاهتمام.
و للأسف المدير العام المواطن على علم تام بكل ما يجري ولكنه "مطنش" الوضع بعد أن سلم الخيط والمخيط إلى ذلك المدير الداهية والذي مازال يبذل قصارى جهده في تطهير الشركة من المواطنين بعد أن نجح في إقناع المدير العام بأن المواطنين لا يأتي من ورائهم إلا المشاكل ووجع الرأس، وبالمقابل قام باستغلال صلاحياته غير المحدودة في توظيف جيش من الأجانب والوافدين نصفهم من ممن ينطبق عليهم مقولة (رجل في الدنيا ورجل في القبر) و النصف الآخر لايمتلك أي شهادة أو مؤهل سوى إعلان الطاعة والولاء له وتنفيذ أوامره وهو ما يستحيل أن يحصل عليه إذا ما قام بتوظيف أي مواطن شريف.
مؤهلات صديقي عبدالله الأكاديمية وما يمتلكه من رصيد كبير من الخبرة يؤهلانه لكي يتبوأ منصبا كبيرة في الشركة باعتبار أنه أقدم المواطنين إلا أن وجود ذلك الأخطبوط العربي يحول بين عبدالله وبين كل مواطن أن يثبت أقدامه في مكاتب الشركة، ليضطر عبدالله كما اضطررنا قبل برفع الراية البيضاء والبحث عن مكان آخر.. لتطوى بذلك مسيرة حافلة بالصبر والكفاح…وينسحب بذلك آخر المحاربين الشرفاء من أرض المعركة..وتسقط قطعة جديدة من قطع الشطرنج الموجودة على طاولة سعادة المدير…الذي ترتسم على وجهه ابتسامته شامتة مع استقالة أي مواطن…
دعاء:
أن يعجل الله عقوبته بكل ظالم و على رأسهم ذلك المدير العربي الذي تسبب في إيذائي و إيذاء كثير من الشباب من بعدي…
أن يعجل الله عقوبته بكل مسؤول تخلى عن أداء واجبه ومسؤولياته واستغل وظيفته في تحقيق مصالحه ومآربه الشخصية….
أن يعجل الله عقوبته على كل شاهد على الظلم وقادر على دفعه…. والساكت عن الحق شيطان أخرس..


