الناس كثر و المجلس مجلس عزاء، و لكنني انشغلت طوال الوقت في محاولة لفت انتباه قريبي بأن طريقته في صب القهوة خاطئة فقد كان يمسك بالدلة بيده اليمنى و يناول الجالسين بيده اليسرى!
لحسن الحظ لم ينتبه أحد لهذا الخطأ الفادح سواي، فمناولة فنجان القهوة باليد الشمال لاشك أنه خطأ جسيم خصوصا إذا ما علمنا أن بعض البدو يعتبرها إهانة كبيرة و جرم لا يغتفر قد يغادر على إثرها المجلس و هو يرغي و يزبد!
ما أغاظني أكثر أن قريبي هذا كان يصر على أن طريقته لا غبار عليها حتى بت من شدة إصراره أعتقد أنني أنا المخطئ! عندها فهمت السر في إصرار أبي العجيب على اصطحابي برفقته منذ نعومة أظفاري إلى جميع المناسبات الاجتماعية التي يحضرها و تشمل حفلات الزواج و مجالس العزاء و غيرها من المناسبات التي يكون أغلب الحضور فيها من الشواب و كبار السن، و كطفل صغير و شاب مراهق كان من الطبيعي أن أنفر من هذه المجالس و أحاول التهرب منها قدر الإمكان، فمعظم مجالس الكباريغلب عليها الإتيكيت و البريستيج و لا مجال فيها للفرفشة و الوناسة، و قد تفرض عليك بعض المجالس الجلوس متربعا هادئا ساكنا و كأن على رأسك الطير تنحصر فيها مهمتك على القيام و القعود و رد السلام عند دخول ضيف جديد! لذلك غالبا ما أتحين الفرصة للتملص من هذه المجالس إذا ما رأيت صديقا لي حاله من حالي أجبر مثلي على القدوم مع والده لنتسلل سوية إلى الخارج لكي ندردش سوية على راحتنا!
و الآن بعد هذه السنين تولدت لدي قناعة أن حضور مثل هذه المناسبات الاجتماعية و مخالطة من هم أكبر مني سنا كان له دور كبير في تكوين جزء من شخصيتي و اكتسابي للعديد من المهارات و فنون التعامل لايمكن أن يتعلمها المرء من الكليات و لا الجامعات، و صار حضور مجالس الأمس التي كنت أتهرب منها هواية بالنسبة لي أستمتع خلالها بسماع تجارب الكبار و خصوصا الشواب و التعلم من تجاربهم و خبراتهم التي لا تنضب.
على الأقل تعلمت منهم الطريقة الصحيحة لصب القهوة!!


