
لم أكن في طفولتي شقيا و لا شيطانا (وهو ما اللقب البغيض الذي يصر العديد من الآباء والأمهات على استخدامه في وصف أطفالهم المشاغبين!)، بل بالعكس تماما كنت مسالما جدا و هادئا حتى أن والدتي حفظها الله مازالت تضرب بي المثل في الالتزام وحسن السيرة والسلوك وتتحسف على الأيام الخوالي عندما تعنف أخي الصغير الذي نشأ على العكس مني تماما!!
إلا أن ذلك لا يمنع من تورطي في بعض المواقف من (الشطانة) البريئة وهي حالات نادرة معدودة على الأصابع لذلك من الصعب نسيانها .
من تلك المشاكسات التي لا أنساها هي أنني عندما كنت متدربا وبالتحديد في ثاني رحلة بحرية لي، وكانت على ظهر ناقلة نفط تابعة لشركة BP البريطانية اسمها “British Succes” بالعربي “النجاح البريطاني”، كان عمرها في تلك الفترة يتجاوز الـ 15 سنة مما يجعلها (كحيانة) نوعا ما!
انظر الصورة أدناه..

أذكر أننا كنا قادمين ومحملين بأطنان “مطنطنة” من النفط الخام (أيام ما كان سعر البرميل بـ 30 دولار!) من مصفاة “رأس تنورة” في السعودية قبل أن نقطع المحيطين الهندي والهادي متجهين إلى الساحل الغربي لأستراليا في مشوار طويل جدا تجاوز عدد أيامه الـ 22 يوما..
المهم أنه بعد فرغنا الحمولة في أحد المصافي الأسترالية توجهنا إلى سنغافورة التي تعتبر مركز اقليمي للملاحة البحرية في آسيا، وهناك أتيحت لي الفرصة للنزول والتجول في المدينة بعد اسابيع من العزلة و الحبسة، و بما أنني متدرب فوجودي كان زيادة عدد، فمعروف أن فترة التدريب هي أجمل و أزهى فترة في حياة كل بحار كونها خالية من المسؤوليات والصلاحيات، وفيها جولات وصولات وسهر وليالي حمراء وزرقاء في الموانئ والمدن، طبعا أنا أيامي وليالي كلها بيضاء..فجولاتي للا تعدى المراكز والمولات التجارية فقط!
في ذلك اليوم قررت النزول والتجول بمعية أحد المهندسين، وكان أسكتلندي الجنسية ومتعصب لنادي (سيلتيك) الأستكتلندي، خصوصا و أنه كان شخصا خفيف الظل و مهضوم على قولة أخواننا اللبنانين بعد المفاضلة بينه وبين المهندس اللندني (نسبة إلى مدينة لندن) الذي كان ينكد علي عيشتي طوال تلك الرحلة علاوة على أنني لم أكن أفهم نصف ما كان يقوله بسبب لهجته اللندنية التي تؤكل فيها الكلمات أكلا!
وبما أن السفينة كانت راسية وسط البحر فكان استخدام قارب سريع هو وسيلتنا للوصول إلى الميناء، ومن هناك علينا أن نستقل سيارة أجرة إلى وسط المدينة، إلا اننا في ذلك اليوم اصبنا بجميع أنواع النحس وسوء الحظ فلم ننجح في الحصول على سيارة أجرة إلا بعد ساعات طويلة من الانتظار و كيلومترات طويلة من المشي، ولم نصل إلى المدينة إلا في وقت متأخر،وهو ما يعني أنه لم يتبقى لدينا سوى ساعتين من التجول قبل أن نعود أدراجنا للميناء حيث ينتظرنا القارب لإعادتنا من السفينة ومن ثم أبدأ النوبة المرتبط بها في غرفة المحركات؟
إلا أن الشيطان بدأ يلعب براسي بعد أن غرتني أضواء المدينة وحركة الناس فيها ا وتذكرت أيام الحرمان وضجيج المحركات والسجن بين أربع حيطان داخل السفينة طوال الفترة الماضية فقلت لنفسي لماذا لا أمدد بقائي و أعود ليلا مع الدفعة الثانية من البحارة وأؤجل نوبتي لتكون مع المهندس اللندني حتى و إن لم أفهم نصف ما يقوله.
ما رأيكم أن نكمل ما تبقى من القصة في وقت لاحق








