ذهبت إلى إحدى الدوائر الحكومية لانهاء معاملة، وجدت المكان مكتظا بأنواع مختلفة من البشر من كل الجنسيات، الشيء الوحيد الذي كنت متأكدا منه أنني المراجع الإماراتي الوحيد الموجود في المكان، كان النظام يقضي بالحصول على رقم ومن ثم الانتظار إلى أن يظهر هذا الرقم على الشاشة، لم أكن أعرف من أين أحصل على الأرقام كما لم يكن هناك موظف استقبال لكي أستفسر منه فوقفت أمام أحد الموظفين الذي كان بالمناسبة إماراتيا أيضا.. و هو ما يعني أنني لست المواطن الوحيد في المكان! إلا انه كان منهمكا في تخليص معاملة لأحد الآسيوين،ما أن أنهى تلك المعاملة حتى بادر بسؤالي عن الخدمة التي يمكنه أن يؤديها لي
فقدمت له الورقة التي بحوزتي لكي أستفسر منه عن الإجراء المطلوب والشخص الذي من المفترض أن اذهب إليه، إلا أنه لم ينتظر أن أكمل باقي السؤال حيث قام بسحب الورقة من يدي وهو يردد مبتسما (إنت مواطن ) وقام بانهاء معاملتي بسرعة وعلى أكمل وجه في فترة لم تستغرق أكثر من دقيقة بالضبط!
شكرته بكل حرارة و امتنان و أنا غير مصدق أنني أنهيت معاملة حكومية في مثل هذا الزمن القياسي…و لم أنسى أن أدعو له دعوة في ظهر الغيب بأن يوفقه الله ويزوجه!
بعد أيام قليلة شددت الرحال إلى دائرة أخرى لاستخراج تأشيرة لأحد المستقدمين، المكان والموجودين لايختلفون كثيرا عن الموقف الأول، فالمكان مكتظ بجمع كبير من الناس والنظام يقضي بالحصول على رقم وانتظار الدور..
أخذت رقمي و أخذت أقلبه بين يدي، حاولت أن أجد فيه ما يشبع هوسي في اقتناء الأرقام المميزة، إلا أن صلة القرابة معدومة بين كل رقم وأخيه، ربما لو تم استبدال الرقم الذي الأول بالرقم 6 لكان متسلسلا مع رقم 7 الذي بجانبه، الميزة الوحيدة أنه ثلاثي، أرقام السيارات الثلاثية تباع عندنا في المزاد ابتداءا من 200 ألف درهم فقط، لا أظن أن لهذه الأرقام قيمة مالية تذكر إلا لم يقدر قيمة الوقت!
نظرت إلى الشاشة المعلقة في الأعلى فعرفت أن هناك أكثر من 40 شخصا يسبقونني في الدور،جلست على إحدى الكراسي المخصصة للانتظار وقمت بشغل نفسي بتخمين الفترة المستغرقة حتى يحين دوري.
عد الموظفين الموجودين 3، كل موظف منهم يستغرق ما معدله 5 دقائق لتخليص معاملة لمستقدم واحد، هذا على اعتبار أن أوراق المعاملة كاملة ولا يوجد بها أية نواقص.
حسنا 5 × 40 = 200 دقيقة وهو ما يعني أنه يتوجب علي الانتظار 3 ساعات و 20 دقيقة!
تلفت حولي فوجدت بعضهم من يحمل بيده مظروف كبير يحوي بلاشك مالايقل عن 20 معاملة وهناك من يجادل الموظف الذي أمامه وستعطفه بأن يغض الطرف علن النواقص وينهي المعاملة وهو ما يعني أن حساباتي الزمنية ليست دقيقة تماما!
لم أطق في الحقيقة الانتظار وفكرت في الذهاب و العودة في الفترة المسائية حيث يكون الضغط أقل بكثير، إلا أنني اقتربت من أحد الموظفين ممن توسمت في ملامح وجهه الطيبة وحسن الخلق، لكي أستفسر منه إذا ما كان بالإمكان أن يقوم شخص آخر بتقديم المعاملة بدلا عني، فحسب علمي بأنه هناك تعليمات صارمة للموظفين بعدرم استقبال أية معاملات إلا من قبل صاحب المعاملة شخصيا أو مندوب معتمد بالنسبة للشركات!
و الحمدلله لم يخب ظني، فما أن سمع استفساري حتى طلب مني بكل أدب أن أسلم له المعاملة ومن ثم الجلوس في الكرسي المقابل له، و 3 دقائق وأنا خالص!
رميت رقمي الثلاثي (غير المميز) في سلة المهملات وشكرت ذلك الموظف الهمام على توفيره لـ 200 دقيقة من وقتي الثمين، ولم أنسى أيضا هذه المرة أن أدعو له بالتوفيق والزواج..و إن كان متزوجا .. فلابأس بالثانية!
انتهى الموقفان على ذلك!
بعد الأحداث أعلاه وقبل أن يشرع بعضكم في إصدار الأحكام الجائرة، لاحظوا أنني في كلا الموقفين لم أكن أسعى إلى الالتفاف على النظام أوالحصول على معاملة خاصة من أحد، كما يفعل كثير من المراجعين عيني عينك، و إنما كنت أبحث عن طريقة أخلص بها معاملاتي ملتزما بالنظام وبأقل وقت مهدر ممكن.
حاولت قبل كتابة هذا الموضوع تفسير موقف كلا الموظفين وسر المعاملة الخاصة التي تلقيتها فلم أجد تفسيرا آخر سوى أنهما تعاملا معي على أساس أنني مواطن من أهل البلد وأستحق بعض الأفضلية على الجنسيات الأخرى، قد لا تكون هذه الأفضلية قانونية في كثير من المؤسسات الحكومية عندنا إلا أنها قانونية لا يعترض عليها أحد في كثير من الدول الأخرى على رأسها الدول الأوربية التي تتشدق بمبادئ العدل والمساواة، فإذا ما قمت بزيارة أحد المطارات الأوربية أول ما سيقابلك لافتة عند موظفي الهجرة مكتوب عليها: “هذا المسار مخصص للمواطنين ومواطني الاتحاد الأروبي”، وبجانبها لافتة أخرى مكتوب عليها ” باقي الجنسيات الآخرى”
وحسب علمي ففي المملكة العربية السعودية كثير من الدوائر الخدمية تحظر دخول الأجانب إليها وتشترط أن يكون مقدم المعاملة أو المندوب سعوديا… فهل في ذلك أية عنصرية؟
ومن زاوية أخري قد يمثل تصرفهما “احتجاجا صامتا” على الخلل الكبيرفي تركيبتنا السكانية والذي ذوب كثير من الفروقات الامتيازات التي كان ابن البلد يتمتع بها سابقا، حيث باتت لغة المال والمنصب هي السائدة هذه الأيام (والخواجات) هم أصحاب السلطة والقوة!.
وقد لا يتعدى الموضوع تقدير وتيسير من الرحمن لعبده الفقير إلى الله!
ما رأيكم أنتم.. ألا يستحق المواطن في بلده بعض الأفضلية.. أم هذه عنصرية!



