نكمل سوية حوارنا الشيق مع الفنانة “ميسون آل علي” ..لقراء الجزء الأول (الرابط)

أحييكم من بريسبن!!
عندما شرعت في البدء في نشر سلسلة حوارات مع المصورين أصبت في البداية بحيرة شديدة في اختيار ضيف اللقاء الأول، فالساحة الفنية تزخر بالعديد من الفنانين الذين يستحقون تسليط الضوء عليهم، إلا أن هذه الحيرة سرعان ما تبددت وذلك بعد أن وجدت في الفنانة الموهوبة “ميسون آل علي” خير استفتاح لهذه السلسلة، وذلك لما تتمتع به من موهبة كبيرة تسبق بكثير سنوات عمرها الصغير نسبيا.
ميسون أو “مصورة الحشرات” اللقب الذي اشتهرت به، فرضت تواجدها على الساحة الفنية الإماراتية وذلك بعد أن أتقنت نوعا مميزا من من أنواع التصوير، قلة من المصورين من يتقنه ويهتم به، وهو نوع يحتاج إلى هدوء وصبر شديدين وهما الصفتان التي تتسلح بهما ميسون عندما تخترق بعدستها الصغيرة عالما مجهولا لطالما اعتبره عند بنات حواء عالما مرعبا لابد من الفرار منه!
من قال إن بلادنا خالية من المثقفين و المبدعين فهذا الكلام غير صحيح، و من قال أننا نعاني من أزمة فكر و إنعدام هوية فكلامه مردود عليه، و من قال أن جميع شباب الإمارات مستهترين و يفتقدون للحس الوطني و الإنتماء فمعلوماته غير دقيقة، فيوم الأربعاء الماضي دعيت أنا و عبدالله إلى حضور لقاء مع مجموعة من الشباب في فندق Fairmont في دبي.
الاجتماع كان غرضه التعريف بشركة Printaholics التي ظهرت إلى العالم نتيجة جهود صفوة من الشباب الإماراتي أرادوا أن يثبتوا أن المواطن الإماراتي لا ينقصه شيء لكي ينجح و يبدع.
10 من الشباب و الفتيات اجتمعوا عبر أثير الإنترنت و قرروا خوض مغامرة جديدة و جديرة بأن يتم تسليط الضوء عليها، نواة الفكرة كانت عبارة عن موضوع صغير قام بطرحه الدكتور سلطان في مدونته الشهيرة e- 3ashig قبل عدة أشهر، و مع الأيام بدأت الفكرة تتبلور أكثر لتتوج جهود هذه المجموعة بظهور Printaholics إلى النور.
حقيقة سعدت كثيرا بالتعرف على هؤلاء الشباب و أيقنت أن بلادنا مازالت بخير طالما أنها تمتلك مثل هذه المجموعة الواعية، التي تشتعل رغبة و حماسا في إحداث نقلة نوعية تقربنا أكثر من المجتمع الغربي الذي لا يمتاز عنا بشيء، فجميع المقومات لدينا متوفرة تقريبا و لكن لا ينقصنا سوى إبراز المواهب و تبني ما تحملها من أفكار و دعمها.
دعواتي لطاقم Printahlics بالتوفيق و النجاح و لكل مواطن غرس غرسا على هذه الأرض المعطاء.
يوم الجمعة الماضي جمعتنا أمسية جميلة في مدينة دبي و بالتحديد على ضفاف مرسى دبي الخلاب، و ذلك على شرف أحد الأصدقاء الأعزاء، تلك الأمسية الرائعة كانت فرصة سانحة للقاء زملاء الدراسى القدامى بعد تفرقت بنا السبل في أرجاء المعمورة و بات كل واحد منا ملتهي بأعماله و أشغاله، و دائما مثل هذه الجلسات مع ندرتها تعد فرصة لا تفوت لاستعادة بعض من ذكريات و حكايات الغربة الجميلة، و من الأشياء المفرحة أن تكتشف مع كل جلسة مقامة أن صديقا نجح في الحصول على ترقية و ثاني نجح في إثبات وجوده خلال هذه الفترة القصيرة نسبيا و ثالث بات يتبوأ منصبا قياديا في مؤسسة حكومية رائدة، منهم صديقنا “وافي” راعي تلك الأمسية، الذي يعتبر نموذج مشرف للشاب الطموح و المتفاني في عمله لذلك وجدت أنه يستحق أن أسلط بعض الضوء على مسيرته الحافلة بالإنجازات.
كانت بداية معرفتي به قبل عدة سنوات أثناء دراستي في المملكة المتحدة، فقد كان أحد المبتعثين من قبل مؤسسة موانئ دبي لدراسة الهندسة البحرية هو و ثلاثة غيره من الزملاء، كان يشق طريقه في الكلية بنجاح، و أنهينا الفصل الدراسي الأول سوية، و لكن قدر الله أن يمر بظروف صعبة كادت أن تقضي على مستقبله الدراسي و المهني، لكنه لم ييأس أبدا و نجح في قهر تلك الظروف مستعينا بعزيمته الصلبة التي كانت سلاحه الدائم في تخطي العقبات التي واجهته مستقبلا.
و يبدو أن تلك الظروف نفسها كانت الدافع الأساسي وراء قراره بتحمل مصاعب الغربة و إكمال دراساته العليا، و بالفعل نجح في الحصول على شهادة الماجستير في الإدارة الهندسية عام 2002، و لكنه لم يكتف بذلك فآثر الاستمرار في المسير على هذا الدرب الوعر إلى أن توجت جهوده في نهاية المطاف بالحصول على شهادة الدكتوراة في الـPerformance Improvement ، و ذلك بعد أن قام بتصميم برنامج لتحسين مستوى الأداء في الموانئ التي تتعامل مع حاويات البضائع، و قد تم اعتماد جزء من هذا البرنامج رسميا من قبل مؤسسة موانئ دبي العالمية.
و من أعظم اللحظات المحفورة في ذاكرة “وافي” عندما تشرف بالسلام على صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله خلال حفل توزيع جوائز برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، بعد فوزه بلقب الموظف المتميز في الوظائف المتخصصة
أيضا من الأشياء التي يعتز بها “وافي” -و نحن أيضا!- ترشيحه للإنضمام إلى برنامج الشيخ محمد بن راشد لإعداد القيادة الشابة (أصغر المشاركين سنا)، و هو برنامج أطلق لتأهيل القادة على مستوى إمارة دبي بالتعاون مع جامعة “كرانفيلد” في المملكة المتحدة.
“وافي داوود موسى ” تذكروا هذا الإسم جيدا، فأغلب من حوله يراهن على أن هذا الإسم سوف يتردد كثيرا في السنوات القليلة القادمة كونه أحد الكفاءات المواطنة النادرة، و شخصيا لا أستبعد أن يكون رقما صعبا ليس فقط على مستوى المؤسسة التي يشغل فيها منصب إداريا مرموقا و لكن على نطاق إمارة دبي.
اليابانيون مشهورون عن غيرهم من الشعوب الأخرى بجديتهم في عملهم و الدقة في مواعيدهم و قلة كلامهم -بعكسنا نحن العرب تماما!- و قلما شاهدت يابانيا يبتسم أو يبادلني الحديث باستثناء عبارات الترحيب المتعارف عليها، الإستثناء الوحيد الذي قابلته هو السيد “شيمادا” أو “شيمادا سان” كما يلقبه الجميع فكلمة “سان” تعني السيد باللغة اليابانية، “شيمادا سان” لا يكتفي بالإبتسام و تبادل الأحاديث الودية مع من حوله فحسب بل لا يتحرج من المزاح و إلقاء النكت و التعليقات التي تكون لاذعة في كثير من الأحيان و التي قد لا تضحكنا بذاتها و لكن ما الكيفية التي يلقيها فيها مستخدما لغته الإنجليزية التي تشوبها اللكنة اليابانية التي يختلط فيها حرفي اللام و الميم و يتحول الثاء إلى سين هي أكثر من يضحكنا!
ليست هذه المرة الأولى التي أقابل فيها “شيمادا سان” فقد سبق أن تلاقينا قبل أكثر من ثلاث سنوات على متن السفينة “أم الأشطان” فهو متعاقد مع الشركة للقيام بفحص نظام التحكم الخاص بمحرك السفينة و كل ما يتعلق به من الدوائر الإلكترونية و الكهربائية و هو ما لايمكن القيام به إلا أثناء تواجد السفينة في الحوض الجاف، و قد علمت لاحقا أنه قضى أكثر من 27 سنة من حياته يعمل في شركة ميتسوبيشي اليابانية للصناعات الثقيلة قبل أن يقرر التقاعد و العمل لحسابه الخاص و إنشاء شركة هو مديرها و العامل الوحيد فيها على حد قوله!
لا أعرف كم عمر “شيمادا سان” بالتحديد و لكنني أقدر بأنه في أواخر الخمسينيات من عمره خصوصا بعد أن أخبرني بأن لديه ابنة واحدة تبلغ السابعة و العشرين من العمر، و مع ذلك فهو مازال يتمتع بحيوية و نشاط ابن العشرين بالرغم من أنه مدخن شره تعرف على السيجارة منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره و حاليا هو يدخن أكثر من علبة سجائر في اليوم مع أنه يدعي مرارا و تكرارا بأنه بصدد التوقف نهائيا عن التدخين، و قد نفدت اليوم آخرعلبة سيجارة قام بجلبها معه من اليابان مما حذاه بطلب المدد من كبير المهندسين الذي أعطاه صندوق سجائر من نوع مالبورو الأحمر أظنها مقابل صندوق (الكيك) الياباني الذي جلبه معه خصيصا من اليابان قبل مجيئه إلى السفينة.
يبدأ دوام “شيمادا سان” الساعة الثامنة و النصف صباحا و لا يغادر السفينة قبل السابعة مساء و أحيانا يتأخر إلى الثامنة، و هو يقطن في إحدى الشقق المفروشة في بر ديرة، سألته البارحة عن وسيلة المواصلات التي تقله إلى حيث يقيم فأجابني بصوته الغليظ ذو اللكنة المميزة : “PAK TAK” لم أفهم في البداية ما يرمي إليه فطلبت منه أن يعيد ما قال إلا أنه كرر نفس العبارة قبل أن أكتشف لاحقا بأنه اختصار لمصطلح يقصد به سائقي سيارات الأجرة من ذوي الجنسية الباكستانية PAKISTANI TAXI..!!
أيام “شيمادا سان” معنا باتت معدودة فهو مطالب بأن يبقى حتى انتهاء الرحلة التجريبية للسفينة ((Sea Trial التي سوف تقام يوم الخامس عشر من الشهر الحالي بعد خروجنا من الحوض الجاف، و بعدها سيغادرنا عائدا إلى بلاده اليابان و لن نراه مرة أخرى إلا بعد ثلاث سنوات أخرى.
بلا شك “شيمادا سان” يعتبر علامة من العلامات البارزة لهذه الرحلة!