Close

جولة في الأسواق(1-2)

عندما كنت طالبا في المملكة المتحدة أذكر أننا كنا ننتظر حلول مواسم التنزيلات على أحر من الجمر، فإذا ما حدث أن أعجب أحد منا بسلعة معينة و رغب بشرائها ما كان عليه سوى أن يتحلى بالصبر إلى أن تحين فترة أعياد الميلاد أو عيد الفصح – وهما الموسمان الرئيسيان التي تقوم فيه أغلب المتاجر و المحلات الكبرى بإقامة تنزيلاتها الموسمية على بضائعها- ليجد سعر تلك السلعة هبط إلى أقل من 50 % و 60% من السعرالأصلي؛ بل في كثير من الأحيان كلما طالت فترة التخفيضات تقل الأسعار حتى نظن أن المحل سيقوم على نهاية فترة التنزيلات بتوزيع بضائعه مجانا على المتسوقين!

و غالبا ما أقوم برفقة مجموعة من الأصدقاء بجولة تفقدية في المحلات و الأسواق التجارية في عطلات نهاية الأسبوع نختار فيها ما قد نحتاجه من ملابس و مستلزمات أخرى و نسلط أعيننا عليها قبل فترة كافية من بدء التنزيلات، و نحرص بين الفينة و الأخرى على المرور على تلك المحلات و التأكد من وجود مخزون كافي من تلك السلع على الأرفف كي نضمن بقاءها و عدم نفاذها أثناء فترة التنزيلات، و ما أن نشاهد العمال قد شرعوا في إلصاق إعلانات التخفيضات على واجهة المتاجر (المستهدفة) حتى نسارع بالهجوم عليها قبل أن يسبقنا إليها غيرنا من المتسوقين حيث أننا اكتشفنا لاحقا أن الكثير منهم يتبعون نفس هذه الخطة الجهنمية، و بالرغم من ذلك إلا أن هناك مجموعة من الشباب كانوا لا يطيقون صبرا حتى موعد التنزيلات إما خوفا من أن يفوتهم اللحاق بركب الموضة أو أن يسبقهم إلى السلعة أحد زملائهم كما أن فارق العملة بين الجنيه الإسترليني و الدرهم الإماراتي يغري الكثيرين منا و تجعله يسترخص ما ينوي شراءه حتى في مواسم التسوق المعتادة ، فقد يسارع أحدهم إلى شراء سلعة معينة ذات ماركة مشهورة يبلغ ثمنها 300 جنيه استرليني- على سبيل المثال- لكن ما أن يفيق من نشوة فرحه و إعجابه بتلك السلعة و بعد أن ينتهي من عرضها على جميع الشباب (و ربما الجيران) حتى يهرع إلى الآلة الحاسبة كي يضرب مبلغ الثلاثمائة جنيه التي أنفقها للتو في (5.9) درهم ليفاجأ بأنه قد صرف (في غمضة عين) ما يوازي الـ 1800 درهم أي ما يقارب ثلث راتبه الشهري دون أن يشعر مما قد يسبب له عجز حاد في الميزانية المخصصة لذلك الشهر قد تضطره إلى طلب إمدادات إضافية من البلاد!

و أجزم أنه لو رأى نفس السلعة تباع في أسواق الدولة و عليها تلك الخانات الأربع بالدرهم الإماراتي لقدم رجلا و أخرعشرة قبل أن يغامر بالإقدام على عملية الشراء، لذلك كنا كثيرا ما ندعوا الله في جوف الليل أن يخفض من سعر صرف الجنيه الإسترليني أو أن يثبته على الأقل عند مستوى صرف معين بعد أن تلاعب بأعصابنا كثيرا طوال تلك الفترة بسبب تأرجح سعر صرفه بين مد و جزر خصوصا أن أغلبنا كان يصرف راتبه بالدرهم قبل أن يحول إليه جزء منه أو معظمه إلى حسابه المصرفي في المملكة المتحدة، بعكس الطلبة الدارسين في الولايات المتحدة الذين يتمتعون براتب ثابت طوال فترة دراستهم نظرا لاستقرار سعر صرف الدولار الأمريكي منذ أمد بعيد، لكن و إن تأخرت ساعة الاستجابة فالله (يمهل و لا يهمل) فسعر الصرف هبط بشكل دراماتيكي في الشهور القليلة الماضية بعد أن وحدت معظم الدول الأوروبية عملتها و استبدلتها باليورو ليبقى الجنيه الإسترليني وحيدا في مواجهة طوفان الدولار الأمريكي و أعاصير الين الياباني، و كان ذلك للأسف بعد تخرجنا بفترة بسيطة دون أن نستفيد من ذلك الهبوط لكن عزاءنا الوحيد أن زملاءنا من الدفعات اللاحقة سوف يتمتعون بالفارق غير البسيط في الراتب الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى (150 جنيه) شهريا و كلي ثقة بأن الجنيه سيتهاوى أكثر و أكثر لكن عليهم بمواصلة الدعاء!

لحسن الحظ تتيح كثير من المحلات لزبائنها خيار الدفع (بالتقسيط المريح) لمدة قد تصل إلى سنة كاملة دون فرض فوائد ربوية إضافية على السعر الأصلي مع إمكانية استبدال السلعة بأخرى أو حتى إرجاعها و استرداد ثمنها إذا لم تنل على رضى الزبون أو إذا ما وجد نفسه قد تسرع في عملية الشراء و أصب على حافة الإفلاس-كما يحدث مع كثير من الشباب- فأحد المتاجر الكبرى الذي يعد من فئة الـ (Super Stores) و له فروع عديدة منتشرة في جميع أنحاء البلاد كان يسمح بإرجاع السلعة المشتراة- سواء كان ذلك بسبب عيب في السلعة أو حتى بدون سبب- على ألا تتجاوز فترة الاستخدام الـ 14 يوم من تاريخ يوم الشراء و استلام الثمن المدفوع كاملا و إذا ما تجاوز تلك الأسبوعين إلى مدة تصل إلى 40 يوما كحد أقصى فبإمكانه استبدال تلك السلعة بأخرى أما باقي المبلغ فيرد على شكل كوبونات شراء بالإمكان استخدامها في شراء سلعة أخرى إذا ما كانت السلعة المستبدلة أقل سعرا من الأولى و هذا كله دون تحديد عدد مرات الاستبدال و الاسترجاع!

و إذا ما اكتشف العميل عيبا في الجهاز أو طرأ عليه عطل طارئ خلال الستة شهور الأولى من الاستخدام فيحق له بشكل أوتوماتيكي الحصول على آخر جديد (بكرتونه) و غالبا ما يكون الموديل الأحدث من نفس الجهاز إذا ما نفذ الموديل القديم، و علاوة على ذلك فمعظم المتاجر تعطيك ضمانا بأن سعر السلعة التي قمت بشرائها هو مساوي أو ربما أقل من سعر نفس تلك السلعة إذا ما تفقدتها في متجر آخر يعرض نفس الصنف أما إذا صادف و اكتشفت وجودها في متجر آخر بسعر أقل من المتجر الذي قمت بالشراء منه فما عليك سوى أن تقوم بإرجاعها و استلام أموالك كاملة مع اعتذار رقيق من إدارة المتجر التي لن تتردد بتخفيض سعر تلك السلعة احتراما لزبائنها!

و من الملاحظ أن أغلب المتاجر الكبرى هناك تكتفي بإصدار كتالوجات مصورة تضم جميع أنواع البضائع التي تقوم ببيعها بدلا من عرض جميع تلك البضائع في قاعات عرض قد يكلف إيجارها الآلاف من الجنيهات ليختار منها المستهلك ما يناسبه من الاحتياجات مكتفيا بالصورة المعروضة مع نبذة مختصرة عنها تشمل وزنها و الألوان المتوفرة منها و جودتها إضافة إلى سعرها لعلمه أن بإمكانه أن يقوم بإرجاعها أو استبدالها في أي وقت إذا لم تنل رضاه.

وبالرغم من هذه التسهيلات و الخيارات الكثيرة المتاحة للمتسوقين و التي توفرها أغلب المتاجر في البلاد الغربية من باب إحسان الظن بالزبون و التي من النادر أن تجد لها مثيلا في أسواقنا المحلية إلا أنها لا تخلو من بعض الثغرات التي كان يستغلها بعض ضعاف النفوس أحسن استغلال في تحقيق مآربهم الشخصية و مسايرة آخر خطوط الموضة و لكن دون أن ينفقوا بنسا واحدا!……كيف ذلك؟ ستعرفون الإجابة في المقال القادم.