اليوم هو يوم الجمعة آخر يوم عمل قبل نهاية الأسبوع، وقد اكتشفت أن للموظفين هنا عادة حميدة فيما يتعلق باللباس، حيث يحضر أغلب الموظفين في آخر يوم عمل مرتدين لأزياء غير رسمية أو”كاجوال” أي لاحاجة لارتداء البناطيل الرسمية والقمصان القطنية طويلة الأكمام، بنطال جينز وتيشيرت يفي بالغرض، علما بأننا اكتشفنا منذ اليوم الأول بأنه لا يتطلب من الموظفين الالتزام بارتداء البدل الرسمية و ربطات العنق، لذلك كان شكلنا في اليوم الأول مضحكا عندما قدمت أنا وصديقي مرتدين لبدل أنيقة، شخصيا لم أكن مرتاحا أبدا في ذلك اليوم فيبدو أن وزني زاد عدة كيلوجرامات في الفترة الأخيرة و ولم أحسب حساب مقاس البنطال الذي كنت أرتديه.. والذي يبدو أن ضاق بعض الشيء!
أول شيء قمت بعمله ذلك اليوم هو وضع تلك البدلة وأخواتها الثلاثة داخل الدولاب حتى إشعار آخر!
ومن باب تغيير الجو فقد تمت دعوتنا اليوم لحضور وجبة غداء في أحد فروع “ناندوز” وهي سلسلة لمطاعم الوجبات السريعة، أظن أن أصلها من البرتغال لكن بداية نشأتها كانت من جنوب أفريقيا، وقد بدأت هذه السلسلة تنمو وتنتشر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، حتى بات لها العديد من الفروع في أنحاء مختلفة من العالم،هذه السلسلة متخصصة في تقديم وجبات الدجاج المشوي فقط وذلك باستخدام وصفة توابل خاصة وبدرجات مختلفة تلبي جميع الأذواق، لذلك تعد الخيار الأول لمحبي التوابل والبهارات الحارة..ولهذه السلسة ميزة أخرى أيضا أو ربما فروعهم هنا في بريسبيان وهي حرصهم على استخدام الدجاج الحلال وذلك بسبب وجود جالية عربية ومسلمة كبيرة هنا أغلبهم من الشباب، أيضا أغلب فروعهم في بريطانيا تقوم بتقديم نفس الخدمة وهو شيء يبدو في بادئ الأمر غريبا ولكنها بلا شك خطوة حكيمة من صاحب الامتياز.
ظننت في بادئ الأمر أن صاحب الدعوة سيتكفل بدعوة الجميع لتناول وجبة الغداء على نفقته قبل أن أكتشف أنا وصديقي أن كل واحد منا عليه يعزم نفسه بنفسه!، فمفهوم الدعوة في هذه البلاد مقتصر فقط على جانب الحضور وليست بنفس مفهومنا العربي الشامل لدرجة تصل إلى البذخ في كثير من الأحيان والذي يتكفل فيع صاحب العزيمة بكل شيء من الألف إلى الياء ..وعادة ما يكون مصير جزء كبير منه في سلة المهملات.
هنا الفرد يتكفل بنفسه وعائلته فقط أما مظاهر الكرم الحاتمي و تعال “اقلط” .. و “تم” و “أيمان الطلاق” التي تسببت في خراب العديد من البيوت فلا مكان لها..
أتخيل فقط لو طبق نفس هذا المبدأ عندنا، أتخيل لو قام أحدهم بدعوة مجموعة من أقاربه و أصدقائه على الغداء في منزله على أن يتكفل كل واحد منهم بجلب أكله وشربه معه!… النتيجة ستكون كارثية بلاشك فصاحب العزيمة سيخرج بسواد الوجه وسوف يوصم بالبخل وعدم التربية… سوف يعيره الناس إلى أن يموت وربما يعيرون أولاده و احفاده من بعده!
كنت في طريقي إلى شقتي التي تقع على بعد أمتار قليلة من مكان العمل وذلك لأداء صلاة الظهر، فاستراحة الغداء تقريبا انتهت ولم أتعرف بعد على مكان إقامة صلاة الجمعة، ولكن سبحان الله الذي يسر لي أحد الأخوة السعوديين الذي يسكن معي في نفس البناية وهو طالب يدرس الماجستير في إحدى الجامعات تكفل باصطحابي معه إلى حيث تقام صلاة الجمعة في مقر إحدى الثكنات الجامعية التي تبعد مسافة 10 دقائق بالباص تقريبا، وهناك فوجئت بالعدد الكبير من الطلبة المسلمين في تلك الجامعة والذي كان واضحا من عدد الحاضرين لأداء الصلاة والذين ملؤوا ما يقارب نصف الصالة الرياضية الفسيحة التي أقيمت فيها الصلاة، أستطيع أن اقدر عددهم بما لا يقل عن 200 شخص أغلبهم من الطلبة السعوديين الذين حسب ما أخبرني به ذلك الأخ الفاضل أن عددهم هنا بالمئات “ماشاء الله تبارك الله”..
الخطبة كانت مختصرة ومفيدة تركزت حول الآية الكريمة في سورة الحديد :” اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ” حيث ربطها الخطيب مع بداية العام الدراسي وضرورة الترفيه عن النفس دون ولكن دون الوقوع في المحارم والمخالفات الشرعية.
حسنا كنت على وشك كتابة تعليق على هذه النقطة وعقد مقارنة سريعة مع خطبنا…ولكن أظن أنه من الأفضل أن أحتفظ برأيي لنفسي!!
أخيرا ..يبدو أن شهيتي التصويرية بدأت تنفتح تدريجيا، ولكن أترك عرض الصور لتدوينة لاحقة







