قبل مقدمنا إلى هنا بفترة قصيرة، قام أحد أعضاء فريق عمل المشروع الأسترالي الذي نشارك فيه بعمل استعراض سريع (Presentation) أمام باقي الفريق كان عبارة عن مقارنة بين عادات المجتمع الأسترالي والمجتمع العربي، وقد سنحت لي الفرصة لاحقا للاطلاع على هذا الملف، وقد لفت انتباهي نقطة ضمن النقاط التي تلخص الفروقات الجوهرية بين المجتمعين وهي أن احترام المواعيد مهم جدا عند الغربيين في حين أن الشرقيين والعرب بالتحديد لا يلتزمون عادة بالمواعيد المحددة.
وهو الأمر الذي أثارني بعض الشيء وكدت أهب للدفاع شرف بني العربان في الاستعراض الذي قمت بعمله لاحقا، لكنني تذكرت الموقف الطريف الذي صارلي قبل عدة سنوات خلال رحلتي إلى تايلاند برفقة أحد الأصدقاء والتي نشرت ملخصا لها في المدونة (الرابط).
ففي جزيرة “بوكيت” رتبنا مع إحدى الشركات السياحية للذهاب صبيحة اليوم التالي في جولة بحرية إلى مجموعة من الجزر المجاورة، وكان من المفترض أن نكون على أتم الاستعداد في تمام الساعة التاسعة صباحا، لكن (راحت علينا نومة) فلم نستيقظ إلا على رنين هاتف الغرفة ومندوب الشركة على الطرف الآخر ينبهنا بأننا تأخرنا على الموعد وأن سائق الباص في انتظارنا في بهو الفندق.
قفزنا من فراشنا كالمجانين وأذكر أنه من فرط استعجالنا اضطررت بالتضحية (بالدش) الصباحي لذلك اليوم، إلا أن صديقي قرر فجاة وبشكل غريب أن يحلق ذقنه قبل أن يستحم وهو ما تسبب في تأخيرنا ربع ساعة إضافية.
لحسن الحظ نجحنا في اللحاق بالباص الذي فوجئنا به وهو ممتلئ عن بكرة أبيه بالسياح من جميع الجنسيات الأوروبية، ممن شرع بعضهم يهمهم بكلمات غير مفهومة واضح من خلالها أنهم كانوا غير راضين عن هذا التعطيل في حين كان البعض الأخر (يخزنا بعيونه) إلا أننا تجاهلنا كل ذلك وجلسنا في أماكننا بكل أدب وكأن على رؤوسنا الطير.
المهم انطلق الباص إلى وجهته ولكن لسوء الحظ فلم نستطع اللحاق بالمركب الذي كان من المفترض أن يأخذنا في الجولة البحرية، إلا أن مسؤول الشركة السياحية نجح في تدبير مركب آخر بعد فترة قصيرة من الانتظار.
مضت الرحلة كما كان مخطط لها، وقد كان من ضمن محطات الرحلة زيارة قرية عائمة للصيادين والتجول فيها، شدد الدليل على أن نعود إلى نفس المكان بعد نصف ساعة، ولكن خلال تجوالنا لمحنا مسجدا في القرية التي تقطنها غالبية مسلمة فوجدناها فرصة سانحة لأداء صلاة الظهر جماعة مع الأهالي، ولم يكن قد تبقى على موعد العودة سوى 10 دقائق، ولكن حدث مالم يكن في الحسبان حيث أصر إمام المسجد علينا أن يقوم بواجب الضيافة تجاهنا وخصوصا وأنه من النادر أن يأتي عرب لزيارتهم، وقدم لكل واحد منا طبقا من الحلوى المحلية المكونة من الموز.
وبعد انتهائنا من تناول الحلوى على عجل شكرنا الإمام واتجهنا نتلمس طريق العودة، وكدنا أن نضيع طريقنا بين الأزقة والبيوت المبنية من الصفيح، ولكن تصادف وجود أحد موظفي الشركة السياحية الذي أخبرنا فيما بعد بأنهم يقومون بعملية (تمشيط) للجزيرة بحثا عنا قبل أن يقتادنا إلى حيث يرسو المركب كما يقتاد السجان المجرمين إلى الزنزانة.
ويبدو أن هذا التأخير جعل الدليل السياحي يتخلى عن روحه المرحة التي كان يتحلى بها طوال الفترة السابقة، فما أن رآنا حتى انفجر في وجهنا غاضبا وشرع في توبيخنا أمام الجميع على تسببنا في هذا التأخير وقبله التأخير الصباحي،وهو ما تسبب في التأثير على مصداقية الشركة أمام باقي السياح.
وياليت الأمر اقتصر على ذلك، فبعد أن انتهى الدليل قام احد السياح الاسنكندافيين بإعطائنا نصيبنا من (البهدلة) ومزيد من التوبيخ أمام باقي السياح الذين لمحت على وجوه بعضهم ملامح الشماتة والارتياح على ما لاقيناه.
طبعا أنا لم أمتلك إلا أن أطئطئ برأسي حياء وخجلا من شدة الموقف أما صديقي فقد كان أشجع مني حين صاح بأعلى صوته مرددا عبارات الاعتذار لجميع السياح، وأنا من ورائه اسحب بنطاله بقوة أحثه على الجلوس والاكتفاء بما لاقيناه من احراجات و(تفشيلات) لهذا اليوم.
طبعا بعد هذه الموقف العصيب (حرّمت) الارتباط بأي شركة سياحية خلال الأيام التي تبقت لنا من الرحلة، كما صرت أتأكد من حلق صديقي لذقنه ليلا قبل أن ينام حتى و إن اضطررت إلى أن أحلقها له بنفسي!








