لست من محبي الصحاري ولا الكثبان الرملية هذا بالرغم من أنها تشكل الجزء الأكبر من مساحة الدولة، ورحلات البر المعدودة التي كنت أخرج فيها تمثل بالنسبة لي كوابيس أود الانتهاء منها سريعا، فمن أسوأ الأحاسيس التي قد أشعر بها إحساس حبيبات الرمل المتلاصقة على جسمي و فروة شعري والتي لا ينفع في إزالتها “هيد آند شولدرز” و ” بيرت بلس” وغيرها من الشامبوات المتوفرة في الأسواق!
البارحة تلقيت اتصالا من أحد الأصدقاء يدعوني فيها لمرافقته للتصوير في منطقة الختم وهي ضاحية صحراوية من ضواحي أبوظبي تقع في الطريق إلى مدينة العين تتوزع فيها عدد من عزب الأغنام المملوكة لبعض المواطنين كما آنها تحمل نفس الاسم الذي يحمله نوع من أنواع الأقمشة التي تستخدم لتفصيل الكنادير الرجالية والذي يعتبر الأشهر على مستوى الدولة!!

ترددت في البداية بعد أن تذكرت كابوس العام الماضي عندما ذهبت في رحلة تصوير مشابهة عدت منها لأقضي أسابيع في التخلص من أطنان الرمال التي لم تجد صعوبة في الدخول إلى الأجزاء الداخلية من الكاميرا السابقة قبل أن أيأس في نهاية المطاف وأضطر إلى اصطحابها للوكيل ليقوم بمهمة التنظيف بدلا عني مقابل ٢٥٠ درهم!
لم تطل فترة التردد كثيرا.. كوني لم ألمس الكاميرا منذ أسابيع عدة هذا بالرغم من تحسن الجو ودخول موسم التصوير هذا العام، فضلا عن إغراءات ركوب سيارة ذلك الصديق الجديدة و هي بالمناسبة من نوع (تويوتا برادو) أراد بالمرة أن يجرب زئيرها على الكثبان الرملية…!
وصلنا إلى المكان المحدد الساعة الثانية والنصف ظهرا، ولم ينتظر ذلك الصديق كثيرا فسرعان ما اقتحم الرمال على متن “البرادو” التي أبدت في البداية مرونة مدهشة في تسلق “الطعوس” و المنحدرات، إلا أن الإثارة لم تدم طويلا قبل أن نعلق في براثن أحدى الأودية الممتلئة بأرتال من الرمال الصفراء الناعمة لم نجد معها حلا إلا عبر تخفيف ضغط الهواء في جميع الإطارات انطلقنا بعدها نغرد من جديد !
وكلها دقائق معدودة قبل أن نعلق مجددا وسط كثيب رملي آخر استعصى على صاحبنا التعامل معه ولم تفلح معها محاولاتنا المستميتة في الخروج منه حتى مع مزيد من تنسيم هواء الإطارت ، حيث في كل مرة يحاول فيها إخراج السيارة نفاجأ بها تغوص أكثر و أكثر في الرمال حتى أنني بدأت أشك أننا في منطقة رمال متحركة كالتي كنت أشاهدها خلال رحلاتي البرية إلى أراضي المملكة أيام الطفولة!
لذلك بدأنا بعدها ماراثون الحفر تحت الإطارات باستخدام أيادينا الحرة لتحريرها ولو قليلا من قيود الرمال التي غمرتها من كل جانب، بدأت خلالها أسترجع ذكرياتي المريرة مع الصحاري والرمال وأتمنى لو يعود الزمن بي إلى الوراء ساعات قليلة لكي أرفض الدعوة وأبقى في منزلي معززا مكرما أتعبث مع صديقي الحميم IMAC،
ولم ينتزعني من هذه الأمنيات الجميلة إلا محاولات صديقي المستميتة لإخراج سيارته التي تغوص مع كل محاولة أكثر وأكثر في الرمال حتى بات خروجها م أمرا مستحيلا كان لابد معه (الاستعانة بصديق)!
ولحسن الحظ أن هذا الصديق كان متوفرا والذي لم يكن سوى أحد الأقارب وذلك في ظل انشغال الصديق الخبير في العودة من رحلة صحراوية من سلطنة عمان المجاورة.
ولم يمض طويلا قبل أن يظهر المنقذ وهو ممتطيا لسيارته الفورويل القوية، لنستبشر نحن العالقين وسط الكثبان خيرا كوننا أخيرا سنتخلص من هذا المأزق الذي علقنا فيه، طوال الساعتين الماضيتين، إلا أن جميع آمالنا تحطمت على الكثبان الصفراء مع انقطاع حبل الجر (القلص) الرخيص الذي ابتاعه ذلك الصديق من إحدى محطات البترول، ليستمر مسلسل (التغريز) حتى إشعار آخر ويرحل المنقذ الأول كونه مرتبط بموعد هام!
انتقلنا بعدها إلى الخطة (ب) وهي الاتصال بإحدى شركات قطر السيارات مستفيدا من الخدمة المجانية التي توفرها له حصوله على بطاقة الائتمان من إحدي المصارف الإسلامية!
ولكن يبدو أننا كنا في أوج نحسنا البارحة وذلك بعد أن أخبرنا الموظف المتلقي للمكالمة بتعطل سيارة القطر المتخصصة للتعامل مع هذه الحالات، قبل أن يتصل علينا شخص آخر واضح من لهجته أنه من البدو يعرض علينا مساعدته بواسطة سيارته الفورويل !
طبعا لم يكن أمامنا في هذه الحالة خيار آخر سوى قبول العرض ولسان الحال يقول ” أنا الغريق فما خوفي من البلل” مع فارق التشبيه و إن كان قريبا جدا وهو أننا غارقين في الرمال!
ومضت ساعة ثم ساعين ونحن نتجول تارة بجانب السيارة وتارة أخرى (منسدحين) بجانبها، صديقي يسلي نفسه بتدخين سيجارة وراء سيجارة بينما أنا أبحث عن مخلوق حي وسط سلسلة الرمال التي لا تنتهي لكي أسلي ناظري برؤيته، وهو ما تحقق بعد فترة من الانتظار وذلك بعد أن لمحت حشرة سوداء غريبة أشبه بالصرصور ولكن أصغر حجما لا أدري في الحقيقة من أين خرجت إلا أنني أخذت أتتبعها بعيناي قبل أن أتبعها برجلاي بغية معرفة اتجاهها إلى تعبت في نهاية المطاف وعدت أدراجي إلى الانبطاح مرة أخرى بجانب السيارة الغريقة لآخذ غفوة سريعة من شدة التعب الذي أصابني لم آستيقظ منها إلى مع إحساسي بحبيبات الرمل وهي تتسلل الى داخل أنفي وأذني !
وأخيرا وبعد ٤ ساعات من الانتظار وصلت كتيبة الانقاذ التي لم تكن سوى عبارة عن ذلك البدوي جاء مصطحبا لأحد الهنود.
ظننا في البداية أن الموضوع لن يتعدى سحب السيارة بواسطة حبل قطر من نوع جيد لينتهي بذلك الكابوس الرملي ونخرج بسلام، إلا أن ذلك الرجل أشار علينا بأن الطريقة الوحيدة للخروج هي عبر رفع السيارة قليلا بواسطة (الحامل) ومن ثم دفن ما تحت الاطارات بالرمال كون قاع السيارة غارق تمام في الرمال ولن ينفع السحب في تحريرها، فلم نجد مفرا من اتباع نصيحته، ليشرع هو ورفيقه الهندي في محاولة رفع السيارة وإزالة ما حولها من رمال، في عملية استغرقت أكثر من ساعة كانت العقدة متمثلة في ٌإيجاد مكان مناسب لتركيب الحامل على هيكل السيارة بالإضافة إلى صعوبة تثبيته وسط الرمال الناعمة.
وخلال تلك الفترة وصل صديقنا الخبير الذي كانت أول ردة فعل له هو تعنيفنا و بشدة على الخروج إلى هذا المكان منفردين فمن القواعد المتعارف هو حتمية الخروج على شكل مجموعات لما يمثله الخروج الانفرادي من خطر كبير على حياة السائق حتى لو كان متمرسا وصاحب باع طويل قبل أن أكتشف أن صديقي صاحب البرادو والذي كان يتغنى بأمجاده طوال الوقت مع الرمال والكثبان آخر رحلة برية له كانت قبل أكثر من ٨ سنوات!!
وهو اكتشاف لو علمته من قبل لما فكرت في التهويب نحو الصحراء!
والحمدلله (جت سليمة) كما يقولون وعدنا إلى قواعدنا سالمين، وحالما وصلت إلى البيت حتى هرولت كالمجنون باتجاه الحمام لأخذ دش ساخن أتخلص به من الرمال التي ملأت أكياسي ومخابئ وتسللست ٌإلى جميع أنحاء جسمي وأظنني لو تأخرت قليلا لزحفت إلى داخل قوقعة أذني!
طبعا تعلمنا جميعا درسا لاينسى من ذلك الصديق الذي لم يكتف بتعنيفنا بل أرانا المعدات اللازمة التي يجب اصطحابها في أي رحلة برية ويشمل ذلك، حقيبة متخصصة تضم حبال جر وسحب من النوع الممتاز، مضخة إعادة ضخ الاطارات بالهواء موصولة ببطارية السيارة، وجهاز لقياس ضغط الاطارات…
وطبعا لم نصور و لا صورة ولا هم يحزنون لكن عزائي أن كاميرتي عادت هذه المرة نظيفة ولن أحتاج ٌإلي بذل ٢٥٠ درهم لتنظيفها هذه المرة!


